اسمي محمد، سني تسع سنوات، مهنتي طالب في المرحلة الابتدائية، مهنة والدي عامل جمع قمامة، طفولتي لم أعشها، سبب الوفاة إشعال النار فيَّ بعد أن ألقيَ بي داخل صندوق قمامة، الجاني المجتمع بأكمله في صورة فعل من قبل عِيال عديمي التربية، محل إقامتي جنة الخلد بإذن الله، طموحي أن يجاورني إن شاء الله جميع أحبائي وعلى رأسهم ورأسي أمي وجميع المقهورين والمعدومين في الجنة.

بعد أن عرفت نفسي إلى حضرتك، سأستهل كلماتي بشكر الكاتب المغمور الذي جئت إليه في المنام حتى أملي عليه هذه الكلمات، وللأمانة كنت أتمنى أن أجد كاتبًت غيره أكثر ذيوعًا منه، وهذا لو افترضنا أنه ذائع من الأساس حتى أملي عليه هذه السطور، ولكن ما باليد حِيلة، أتمنى أن تصل هذه الكلمات إلى أكبر عدد ممكن من القراء، لعل ما حدث لي لا يتكرر مرة أخرى، أو أن يجعل أفراد مجتمعنا عندهم قليل من الدم، ليكفوا عن التنمر على خلق الله، وقبل أن أبدأ في قول ما أريد، يجب أن تعلم أني لم أكن أبدًا أريد أن يكون العنوان العبارة التي ظللت أرددها منذ اللحظة الأولى لقتلي إلى أن انتقلت إلى رحاب الله، ولكن الكاتب هو الذي أصر على هذا العنوان، باعتبار أنه أكثر جاذبية، وإنما كنت أود أن يكون العنوان «خطاب من شهيد التنمر»، أو «خطاب من عصفور من عصافير الجنة»، أو شيئًا من هذا القبيل، ولكنه بقصد أو بدون قصد أصر أن يذكرني بما تعرضت له حتى وأنا أتنعم الآن في نعيم الجنة، ويجب أن تعلم أيضًا أني أكدت على هذا الكاتب ألا يزود أو ينقص من الكلام الذي أود أن أقوله، وصراحة أنا أزعم أنه لن ينقص، ولكنه سيزود لقدراته المُذهلة على (اللت والعجن)، وأنا أسامحه في هذا طالما كان في سياق حكايتي.

مثلي مثل غيري لم أختر والدي أو والدتي، تفتحت عيني أو لم تلحق أن تتفتح على الدنيا، وأنا ابن لربة منزل، وعامل جمع قمامة، هل هنا شيء غريب؟ أليست وظيفة والدي وظيفة مثل أي وظيفة أخرى مثلها مثل المحاماة، أوالتدريس، أوالهندسة، أوالتطبيب، أوالصحافة، أو رئاسة الوزراء، أو رئاسة الجمهورية؟ فإذا أجبت بنعم سأقول لك (كداب في أصل وشك) لأنك تعلم جيدًا بصفتك ابنًا من أبناء هذا المجتمع أن هذا الكلام عارٍ من الصحة، إلا لو كنت تعتنق الأفكار ذاتها التي يعتنقها كاتب هذه السطور، الذي يقول لي أنه لا يعترف بفكرة المكانة الجتماعية، وأن بالنسبة له عامل النظافة مثله مثل رئيس الجمهورية، ولكن عامل النظافة يؤدي دورًا في هذا المجتمع، ورئيس الجمهورية يؤدي دورًا آخر، بل ربما يؤدي عامل النظافة دوره على أكمل وجه، في حين أن رئيس الجمهورية يقصر في أداء دوره، وهنا أود أنا أؤكد أني لا (أستجري) أن أقول هذا، فأنا لا أود أن أجلب اللعنات لجدود جدودي، لأني ساويت بين أفراد مجتمع الذوات وأفراد مجتمع (الحرافيش)، ولكن الكاتب هو الذي قال هذا، وأنا معك أنه يستحق أن يكون من المغضوب عليهم في مجتمعكم، وأن يوصم بكل مرادفات الجنون لأنه (استجرى) أن يضع أفراد مجتمع الذوات مع الدهماء في قالب واحد.

معذرة إذا خرجت عن سياق الموضوع فهذا ليس ذنب الكاتب ولكنه ذنبي، المهم أني منذ نعومة أظافري وأنا ألاحظ أن المجتمع الذي أحيا في كنفه، ينظر إليَّ نظرة دونية في أحيان، ونظرة شفقة في أحيان أخرى، وكان هذا يسترعي أنتباهي دائمًا على الرغم من أني آنذاك كنت لم أكمل عامي السادس، حتى تجلى لي أسباب هاتين النظرتين، بعد أن دخلت المدرسة، حين بدأ زملائي في الفصل بـ(مُعايرتي) بوظيفة والدي بعبارات من قبيل (يا ابن الزبال- يا زبالة)، ففي أول الأمر حاول المدرسون أن يردعوا زملائي – بمعاقبتهم – عن مضايقتي بهذه الطريقة، ولكنهم بعد فترة سئموا من هذا، كما أنه في بادئ الأمر لم يكن الأمر يحرك في ساكنًا، اللهم إلا إذا صفعني زميل لي على (قفايا) على حين غرة، وهو يردد هذه العبارات، وأنا أسير في حالي، ففي هذه اللحظة، كنت أرتبك وأحاول أن أداري إحراجي بملاحقته على أساس إني أريد أن أرد له الصفعة، ولكن والله العظيم أن ملاحقتي له لم تكن آنذاك سوى حِيلة مني لكي أواري بها خجلي أمام الناس الذين يتمرغون على الأرض من فرط الضحك عليَّ.

المهم عباراتهم هذه لم تكن تؤثر في؛ لأني لم أجد في عباراتهم إهانة لي، لأني فعلًا ابن جامع قمامة، ولكن حين علمت أن مهنة جمع القمامة هي مهنة مستهجنة مجتمعيًّا وينظر إليها وإلى من يزاولها بل، يمتد الأمر إلى أهل من يزاولها، نظرة استعلائية لبساطتها وقلة العائد منها، بدأت أفهم لماذا زملائي (يُعايرونني) بمهنة والدي التي يعدونها سُبة، فبمجرد أن فهمت ما يرمون إليه بدأت أجهش بالبكاء كلما قال لي أحد الزملاء عبارات من هذا القبيل، وهذا بالطبع كان مُرادهم أن يرونني بعيونهم المليئة بالتشفي والسخرية وأنا أبكي ومُنكسر.

استمريت لفترة أتلقى الإهانة بدون رد فعل لطبيعتي المُسالمة، ولكن حين فاض بي الكيل، قررت أن أحكي إلى والدتي، لأني كنت في غاية الخجل أن أحكي أمرًا مثل هذا إلى والدي، ولكنها حكت له، فذهب على الفور إلى أهل هؤلاء الزملاء، وإلى المدرسين، لعلهم ينجحون في زجرهم ومنعهم عن التمادي في إهانتي، والغريب أن جهود والدي لم تذهب هباء فقط، بل زادت من مضايقتهم لي، فأصبحتُ أفرح أشد الفرح حينما كان يأتي يوم الجمعة أو إجازة بمناسبة رسمية، لكي أتنفس الصعداء، قبل أن أعود مرة أخرى إلى الشقاء، الذي جعلني أكره المدرسة والعلم وأي شيء ممكن أن يجعلني أرى فيه وجوه هؤلاء الزملاء الذين ينغصون عليَّ عيشتي، فكنت أتحجج لوالدتي بأني مريض تارة، وأني لا أتعلم شيئًا في المدرسة تارة أخرى، حتى أفر من الذهاب إليها، ولكن لم تكن هذه الحجج تنطلي على والدتي فكنت أذهب إلى المدرسة سواء أكان بـ(المحايلة) أم بالتعنيف وتهديدي بالعقاب إذا لم أذهب إليها، وذلك لأنها كانت تعتقد أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة التي من الممكن أن ترفع شأني، فاستجبت إلى نصائحها وحاولت على مضض أن أمضي في التعلم قدمًا.

حتى جاءت جائحة كورونا التي كانت أكثر رحمة بي من والدتي، فأُلغيَ على أثرها الفصل الدراسي، مما يعني أنني لن أذهب إلى المدرسة مرة أخرى هذا العام، فكنت لا أغادر البيت إلا لمساعدة والدي في عمله في بعض الأحيان، إلى أن جاء يوم لم أذهب فيه مع والدي، وطلبت من والدتي أن تعطيني جنيهًا حتى أشترى به حلوى، فأعطتني بعد أن استحلفتها بحياتي، التي انتهت بصورة لم أتخيلها في أبشع كوابيسي، حين التقيت بزملاء المدرسة، وأنا في طريقي إلى محل الحلويات، الذين وصلوا إلى درجة من الانحطاط وعدم التربية دفعتهم إلى حملي ورميي داخل صندوق الزبالة، لأن والدي يجمع الزبالة، ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، بل قاموا بإشعال النار فيَّ، وكانت هذه هي نهاية حياتي التي حاول شاب أن يحول دونها عن طريق محاولته إطفاء النار التي تنهش في جسدي الهزيل، ولكنه لم ينجح إلا بعد أن تمكنت الحروق من 60% من جسدي، فلم تُجدِ تبرعات الأهل بجلودهم والجيران بدمائهم نفعًا، ولم يتبقَ مني سوى عباراتي التي ظللت أرددها، وأنا تحت تأثير ما حدث لي «طلعوني من الصندوق.. ماما متسبنيش لوحدي» حتى فاضت روحي.

بعد ما حدث لي كنت أتوقع أن تكون حادثتي «تريند» على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن هذا لم يحدث على الإطلاق، وأنا أتفهم الأسباب، فمن الصعب ممن يحملون أفكارًا طبقية أن تلفت هذه الحادثة انتباههم، بل من المستحيل أن نطلب من هؤلاء أن يربوا أبناءهم على احترام الآخر بكل اختلافاته، فكيف يربون عيالهم على احترام الآخر، بينما هم أنفسم لم يتربو على احترامه لأنه مختلف؟ كيف يربون عيالهم على أن جميع أفراد المجتمع سواسية وهم أنفسهم لو تقدم شاب لإحدى بناتهم ابن صاحب مهنة بسيطة بالنسبة لهم سيرفضونه من حيث المبدأ، لا لقصور في أخلاق الشاب أو تعليمه، ولكن لأنه ولد وجد نفسه ابن صاحب مهنة بسيطة؟ كيف يربون عيالهم على احترام الآخر بكل اختلافاته وهم أنفسهم لو وقع ابن لهم في غرام فتاة من أسرة بسيطة الحال من الممكن أن يتنصلوا منه إذا لم يعد إلى القناعات التي تربى عليها من جديد؟ كيف يربون عيالهم على احترام الآخر وهم يربون أولادهم على عبادة السلطة والمال والمظهر، حتى ولو كان هذا سيترتب عليه (الطرمخة) على الظلم والتطبيع مع الفساد والمحسوبية؟

خلاصة الأمر حتى ولو سأجلب لنفسي اللعنات كما جلبتها للكاتب في السطور السابقة لا نستطيع أن نطالب أفراد مجتمع اختلقوا شيئًا اسمه المكانة الاجتماعية للتميز بين الوظائف إلى غير مهم ومهم وأهم، وجعلوا معيار التمييز يتمثل في المميزات المادية والمعنوية، لهذه الوظيفة أو تلك، وليس لقيمة الشيء الذي من الممكن أن يقدمه، أن يربوا أبناءهم على احترام الآخر.

أعزائي أفراد المجتمع أنا الآن قلت كل ما في نفسي، وغير مسؤول عن كلمات هذا الكاتب الأرعن إذا ختم حكايتي بعبارة (جتكوا القرف في أفكاركم المعفنة المكمكمة).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد