يقدم أغلب «العلمانيين العراقيين» حلولًا وهميةً لمشاكل واقعية – كمشكلة الطائفية مثلًا – إلا أن المضطهدين من الطائفية يجدون في العلمانية حاجاتهم، إذ يظهر العلماني ببذلة فاخرة وربطة عنق أنيقة، كمنظِّر أو كمتفلسف ضد أحزاب الإسلام السياسي التي تحكم المشهد العراقي.

المعضلة التي وجدها العراقيون مع علمانييهم؛ أن مواقفهم غالبًا ما تكون في خدمة طرف دون آخر، بالنظر إلى الصراعات السياسية والمذهبية والطائفية المحتدمة من حولهم، والتي لا يمكنهم إلا الانخراط فيها، ومن جراء ذلك انقسم العلمانيون عندنا إلى علماني سني وعلماني شيعي.

تخيل معي:

العلمانية التي تدعي فصل أو تحييد الدين عن الدولة، نجد أن الطائفية قد وصلت إليها أيضًا، وكل فصيلٍ علمانيٍّ مذهبيٍّ يدعي هو الآخر أن فصيله أو فرقته هي الفرقة الناجية لا في العقيدة فحسب، بل في السياسة أيضًا وهنا أصبحت المصيبة أكبر، حيث تستعر الخلافات فيما بينهم أحيانًا في السوشيال ميديا لتصل حد البلوكات.

أراك تبتسم وأنت تقرأ هذه الكلمات.

ليطرح لنا المشهد في محصلته عمومًا؛ أن لا الإسلاميون ولا العلمانيون عندنا قادرون على إيجاد رؤية منهجية للممارسة السياسية أو الاتفاق على شكل الحياة العامة، لسبب أيديولوجي منهجي مركب.

فالإسلاميون غالبًا ما يستثنون في تفسيراتهم للممارسة السياسية، عوامل القومية والاجتماع والاقتصاد، معتبرين أن المنهج الديني هو عماد صيرورة الأمم في نهوضها أو انحدارها أو اندثارها.

أما العلمانيون في عراق ما بعد 2003، وببساطة فمنهجهم هو الرد غير المتزن للمنهج الأول، بإسقاطهم للاعتبارات الدينية والإثنية وميثولوجيا الطائفة الأخرى وفعلها المتجذر في الحياة العامة لدى العراقيين.

يقول الكاتب السوري جورج طرابيشي في كتابه هرطقات: «مثقف العصر هو أولًا وأخيرًا مثقف أيديولوجي، والأيديولوجيا هي دين العصر». لكن «المثقفين» العراقيين ليس معظمهم أيديولوجيين فحسب، بل طائفيون ومسيسون أيضًا، يسترون عوراتهم الطائفية بدفاعهم عن علمانيات ساقطة، وأنا هنا لا أنتقد العلمانية بل بالعكس.

معظم هؤلاء «المتعلمنين» والذين يتصدرون شاشات الإعلام العراقي، هم في الغالب جنود لطبقة سياسية فاسدة، انتقتهم بعناية ودقة ليخدموها، وزرعتهم على دكاكين الإعلام العراقي، ولهم دور كبير في عزل العراقيين عن بعضهم البعض، ليتراشق أنصار الفاعلين المحليًّين بالمسؤولية عن كل هذا الخراب بالضد من داعميهم الفاعلين الإقليميين، وليعيشوا من بعد ذلك في حالة انقسام مجتمعي عميق.

دعونا نأخذ مشهدًا مفهومًا للقارئ العربي، قضية دار حولها الجدل عراقيًا وعربيًا وعالميًا، محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا.

ففي الوقت الذي يدعي فيه علمانيو العراق الترحيب بأي تغيير يقصي الأحزاب الإسلامية من الحكم والسياسة، إلا أن النخبة الشيعية نظرت إلى الانقلاب بنفس الطريقة التي تنظر فيها النخبة السنية لأي انقلاب ممكن يطيح بنظام الولي الفقيه في إيران. أما النخبة السنية فهم بدفاعهم عن أردوغان قدموا صورة لما ستفعله النخبة الشيعية للدفاع عن النظام الإيراني.

في حين غاب عن بال تلك النخب السنية والشيعية أن أردوغان «في السلطة» ليس إسلاميًا بالمفهوم الشائع عندهم، وقد عبر عن ذلك هو بنفسه في مناسبات عديدة، بدفاعه عن علمانية الدولة التي أوصلته إلى سدة الحكم.

وتذكر لطفًا معي أنني ذكرت «في السلطة».

فعلمانية تركيا لا جدال فيها، والذي يعيش في تركيا يدرك ذلك تمامًا. قد تكون النسخة العلمانية التركية مختلفة عن العلمانية في الدول الأوروبية لاعتبارات تتعلق بدين الشعب ليس إلا.

دققوا في صور المحتجين ضد الانقلاب أكثر، ستجدون فيها أن كل أطياف الشعب موجودون فيها، دققوا في وجوههم في ملابسهم، النساء تحديدًا، ستجدون فتيات «متبرجات» يصرخن بأعلى أصواتهن في الشوارع الله أكبر.

فهل تتوقعون أنّهن خرجنَ من أجل إبقاء أردوغان على كرسي السلطنة؟!

المفارقة الأخرى أن هذه النخبة المثقفة اختلفت أيضًا بالطريقة نفسها حول الانقلاب العسكري في مصر، حين أيد بعضهم العسكر بذريعة وقوفهم ضد أحزاب الإسلام السياسي التي كانت تحكم المشهد السياسي بعد ثورة 25 يناير.

بقي أن نقول إن مشكلة الطائفية في العراق ليست في الطبقة السياسية فحسب، بل في هؤلاء الطائفيين على اختلاف مذاهبهم وأيديولوجياتهم، لأنه من غير الممكن التخلص من الطائفية من دون الخلاص من طروحات هذه الطبقة المتعلمنة، في حين الأفضل هو عدم إعطائهم فرصة أخرى للظهور، فالمصاب بالطائفية لا يستطيع الشفاء منها حتى لو أصبح ملحدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد