إنهم لا يتحدثون عن آل البيت

– من تقصد؟

شيوخك

– شيوخي! أليسوا شيوخك أنت أيضا؟!

لم تكن ليلتي بأفضل حالًا من سابقتها، أرغمني ارتفاع صوتهما مجددًا على التركيز والإنصات لما يقولان، أو ربما أصبح حديثهما يثير إعجابي، أيًّا كان السبب فالمحصلة في النهاية أنني لن أنام لليلة أخرى.

نعم شيوخي، لكني لا أجد غضاضة في الاعتراف بأخطائهم أو أن أنكر عليهم بعض أفعالهم، فهم في النهاية بشر وليسوا معصومين.

– دعك من هذا وقل لي ماذا تقصد من قولك إنهم لا يتحدثون عن آل البيت؟

أقصد أن هناك أمرًا ما يبدو مريبًا، نسمع من الشيعة والصوفية دائما عن الأئمة الاثني عشر ونظن بدايةً أننا لا شأن لنا بهم، ثم نعلم أنهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكننا لم نسمع بهم قط من شيوخنا، هل سمعت يوما خطبةً عنهم؟

– فكر برهة ثم قال لا! عجيب هذا الأمر.

الأمر يبدو وكأنهم أجمعوا أمرهم على هذا دون اجتماع، وكأن هذا أصبح في حكم العُرف والمسلّمات، والأغرب أننا لم نسأل يومًا.

– ولكننا نحب آل البيت حقا ونسترضي بهم وهذا ما أظنه بمشايخنا وعلمائنا، فما الذي يدفعهم إلى هذا إن كان الأمر عمدًا كما تقول؟

الأمر ناتج عن تراكمات كثيرة، هل تعرف القانون الثالث من قوانين الحركة لنيوتن، والذي ينص على أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه؟

– نعم بالطبع، لماذا تسأل؟

أعتقد أنه يفسر الأمر برمّته، إنه ربما يفسر كل خلل في حياتنا، وُجدت الديانات والشرائع وأُرسل الرسل ليجعلوا حياة الناس مستقيمة، فالاستقامة هي أقرب الطرق إلى الله والتي ندعوه أن يهدينا إليها في صلاتنا دائما بقولنا: «اهدنا الصراط المستقيم»، وأي انحراف عن تلك الطريق المستقيم يمينًا أو يساراً يولّد دائما انحرافًا في الاتجاه المعاكس.

وإن بحثنا في التاريخ عمومًا، وفي تاريخنا الإسلامي خاصةً سنتأكد من صحة الأمر، فلم يظهر الإلحاد بمعناه الحديث في أوروبا إلا عندما انحرفت الكنيسة عن دورها وعم الاضطهاد والقتل بتهم توزع جزافًا مثل الهرطقة والمجون على كل من يحاول إعمال عقله خارج الإطار الذي تحدده الكنيسة.

والأمر نفسه في تاريخنا الإسلامي، فعندما ظهرت «القدرية» وهم الذين لا يؤمنون بالقدر ويعتقدون أنه لا تقدير لله في الأمر وأن أفعالنا كلها هي ناتجة عن اجتهاداتنا وليس لله تدخل بها، ظهرت في المقابل «الجبرية» وهم الذين ينسبون الفعل إلى الله وأن الإنسان لا دخل له بأفعاله حيث أنه مجبر عليها ولا يملك قدرةً ولا اختيارًا.

واعتقد أن هذا ما حدث في قصة آل البيت، كان الأمر في البداية أن بعض الناس كانوا يرون أن عليًّا رضي الله عنه أحق بالخلافة من عثمان، وبتطور المواقف والأحداث ومرور الأيام كان الشيعة يغالون يومًا بعد يوم في تمجيد وتعظيم آل البيت وخاصة الأئمة الإثني عشر، وكلما غالى علماء الشيعة في التعظيم تمادى مشايخ السنة في السكوت، حتى آل الوضع إلى ما هو عليه الآن، وضع الشيعة الأئمة في مرتبة الأنبياء بل وتعدوها وأصبحوا عندهم يملكون صفات لا تكون إلا لله وحده.

أما علماء السنة ومشايخها فقد أهملوا الحديث عن آل البيت وكأنهم يعاقبون آل البيت على ذنب لم يقترفوه، سنسكت عنهم، لن نتحدث عنهم في خطبنا، الحديث لن يتعدى في الغالب فترة ما بعد الخليفة الرابع علي رضي الله عنه ثم فجأة تجد أن ما يقرب من ثلاثين عاما قد مروا لتصل إلى مولد الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز، ولربما اعتبرنا هذه الفترة من العلم الذي لا ينفع، إنها فترة فتن، شهدت صراعات وقتالًا، أخطأ من أخطأ وأصاب من أصاب، إن سأل الناس عنها سنقول لهم: «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم» ونصمت، سنصمت حتى يبلغ الصمت حدًّا لا يطاق.

ولكن الناس لا تهوى السكوت، الناس تريد أن تستمع إلى مزيد من القصص والحكايات عمن يحبون، الناس تحب الحكايات، سيخبرونهم بالكثير منها، سيخبرونهم بصحيحها وباطلها، المهم أن يحبها الناس، المهم أن يبتسم البسطاء في النهاية وتدمع أعينهم ويعلوا صوتهم بقول «الله» تعبيرًا عن جمال ما سمعوه عن آل البيت، البسطاء يحبون آل البيت أكثر منا يا صديقي، أكثر ما ضر قضيتنا هو الصمت، وأكثر ما أفاد الشيعة هو الكلام، هم يعلمون قيمة الكلام، إن بحثت في كتبهم ستجد أن جزءًا هامًا من عقيدتهم يسمى «التقية» وهي أن يقول الرجل بلسانه ما لا يضمر في قلبه اتقاءً للشرور، ولكنهم استخدموها جلبًا للمنافع، تحدثوا إلى البسطاء واستعطفوهم بحب آل البيت.

قالو لهم إن كل ما نختلف عنكم فيه هو أننا نحب آل البيت أكثر، نحن مثلكم، نصلي مثلكم، نؤمن بالنبي وبالقرآن وبالسنة مثلكم، نحب الصحابة مثلكم، فتدنوا وتقترب منهم، فتجد أن القرآن الذي قرأته منذ الصغر منقوص، وأن الصحابة الذين كنت متيمًا بحبهم شياطين، وعندما تسأل سيقولون لك «إنهم لا يحبون آل البيت» انظر ماذا فعل أبو بكر وعمر، لقد منعوا عن السيدة فاطمة رضي الله عنها إرثها من أبيها صلى الله عليه وسلم ، ويبكون، لقد أخذوا الخلافة من علي عنوه، ويبكون، والعامة والبسطاء لن يجيبوا، لماذا! لأننا لم نخبرهم بماذا يجيبون، لأننا قررنا أن نحب آل البيت سرًّا، لأننا لا نخبر الناس بكل الحقائق خوفًا من إظهار بعض السلف بصورة ليست بيضاء تماما، ونسينا أن الحفاظ على الدعوة هي الهدف الأسمى وأنه لا معصوم في هذه الأمة إلا نبيها.

– لقد أخفتني يا صديقي وما الحل إذا؟

الحل ببساطة أن نعود إلى الصراط المستقيم. أن نعود إلى الوسط مجددا. أن نقول للناس إننا نحب هؤلاء الأئمة الذين هم جزء من آل بيت النبي وذلك بالصحيح الذي بين أيدينا وبما لا يخالف السنة. أن نخبرهم أننا نقدر السيدة فاطمة وأنهم لو نظروا في أصح كتب السيرة عندنا «سير أعلام النبلاء» سيجدون أن اسمها مقرون بحرف (ع) بمعنى عليها السلام، أن نحدثهم عن سيرة الحسن والحسين ومواقفهما مع جدهما صلى الله عليه وسلم، أن نخبرهم عن محمد الباقر وجعفر الصادق وعلي ابن الحسين زين العابدين وأننا نحبهم كما نحب أمهاتنا زوجات النبي وبناته وكل الذين ينتسبون إليه ممن آمنوا به وأننا نصلي عليهم وندعوا لهم في النصف الثاني من التشهد في كل صلاة، حتى وإن لم يجبر هذا بسطاء الشيعة والصوفية إلى العدول عن تشددهم ومغالاتهم وأن يعودوا إلى ذلك الصراط الوسطي الذي أتحدث عنه على المستوى القريب فإننا سنحصن الناس ذاتيًا من ادعاءاتهم بحب آل البيت، ونكون قد أدينا جزءًا من حق آل البيت علينا والذين نتقرب إلى الله تعالى بحب النبي وحبهم.

الله أكبر، الله أكبر، صوت المؤذن جعلهما يصمتان وجعلني أنتبه إلى أن الساعة شارفت على الخامسة صباحًا، كم أرهقني جدال هذين الجارين كثيرًا ليلًا، وكم سيرهقانني كثيرًا فيما هو قادم من أيام، فليس بوسعي طردهما ولا الانتقال بعيدًا عنهما، لأنهما ببساطة يقيمان في رأسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد