منذ سقوط تجربة الإخوان في الحكم، وربط اسم الجماعة بالإرهاب، وجدت بعض القوى الخفية فرصة ذهبية للاصطياد في الماء العكر، فرأت أنه لا ينبغي التوقف عند فكرة سقوط “الإسلام السياسي”، متمثلًا في تجربة الجماعة، وإنما عليها أن تستثمر هذا الإخفاق بشكل أعمق.

الإلحاد

ركزت تلك القوى جهودها للحديث عن التشدد الديني، وعلاقته بالعنف والتطرف، ثم تعالت أصوات من يشككون في الدين بشكل مباشر، فانتشر الحديث عن الإلحاد والملحدين، وملأ الشاشات والصحف فجأة، وهنا أتساءل، لماذا يتم تسليط الضوء على مثل هذه القضايا في هذا الوقت بالتحديد؟!، هل الإلحاد ظاهرة جديدة؟

أليس الكفر والإيمان موجودان قبل بعثة النبي “صلى الله عليه وسلم”، وبعدها وسيظلان إلى قيام الساعة؟

التشكيك في العلماء

لم يتوقف الأمر هنا، بل نجد أحدهم يرتدي بذلته، ليقف أمام الكاميرا، يحدثنا عن علماء وفقهاء الأمة طاعنًا في آرائهم واجتهاداتهم، بطريقة لا أعتقد أنها قللت من عنف، أو عملت على “تنوير العقول”، بل زادت الضجيج ضجيجًا، وأثارت جدلًا لم يستفد أحد منه سوى صاحبه، حيث وجد الشهرة والأضواء.

هنا أضيف أننا لسنا في حاجة للتدقيق كثيرًا في مضمون ما يقوله هذا الرجل، ولا للاستماع لمناظراتٍ هنا أو هناك، فيكفيني ويكفي المشاهد والمستمع العاقل، أن نعلم أن هذه القناة الفضائية التي تعطي مساحة لتلك الأفكار في أحد برامجها، هي ذاتها التي تخصص برنامجًا عن “مسابقة للراقصات”!

حرق الكتب

مشهد آخر تتجلى فيه محاولات الاصطياد في الماء العكر، يقوم فيه عدد من مسؤولي التربية والتعليم “غير مشكورين” بحرق مجموعة من الكتب ذات المضمون الإسلامي في فناء إحدى المدارس على مرأى ومسمع الجميع، بطريقة فجة وغير مقبولة، بدعوى أنها تحمل أفكارًا متشددة تدعو إلى العنف، فماذا إذًا على الطلبة أن يفعلوا؟!، وهل هذه الطريقة ستعلمهم فيما بعد كيف يفرقون بين ما يستحق أن يقرأوه وما لا يستحق؟!، ألا يعلم مربوا الأجيال هؤلاء أن الفكر لا يرد عليه إلا بالفكر؟!

خلع الحجاب

يتطور الأمر أكثر فأكثر فتنتشر دعوات شاذة تسمى بـ “خلع الحجاب”، وكأن قطعة القماش هذه هي سبب تخلفنا وفقرنا وجهلنا، هي التي نشرت الفساد والبطالة والمرض وغيرها من الأمراض المجتمعية المتفشية، فما علاقة هذا بذاك؟!، أإذا خلعنا جميعًا حجابنا وأصبحنا سافرات، سننتقل للعيش في المدينة الفاضلة؟!
كنت أتمنى أن يوفر هؤلاء طاقتهم وجهدهم لمحاربة “الانحدار الأخلاقي”، الذي أصبحنا عليه، ولكن يبدو أنهم لا ينزعجون من المشاهد والألفاظ الخادشة للحياء، وثقافة العشوائيات والبلطجة والمهرجانات، التي يصدرها لنا الإعلام، ومدعو الفن، قدر انزعاجهم من حجابٍ و بعض الكتب.

وأخيرًا

التشدد أمر غير مقبول ليس في الدين فقط، وإنما في شتى مجالات الحياة، ولكن هذه المحاولات وغيرها لا تقدم لنا علاجًا لتطرف البعض وفهمهم الخاطئ للدين، وإنما تخلق حالة من البلبلة والتشويه والتشويش أيضًا، يقع فيها ضعاف النفوس، فنحن لسنا في حاجة سوى لإيقاف هذه المحاولات الخبيثة التي يصدرها لنا هؤلاء من خلال وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وتكثيف دورالعلماء الوسطيين الذين يتحدثون إلينا بالكتاب والسنة، لنشر التوعية والتنوير الحقيقيين، وإزالة أي التباس بين صحيح الدين والفهم الخاطئ له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد