التقيت به أول مرة أمام الجامعة التي كنت أدرس فيها، فلفت انتباهي عندما رأيته يشاور بإشارة لا تدع مجالًا للشك بأنه جائع ويريد أن يأكل، فاستوقفتني هذه الإشارة؛ التي هرعت إليه على أثرها، فلم يخب ظني عندما اعتقدت أول ما عينيّ وقعت عليه بأنه لم يتجاوز عامه العاشر، بعد أن أكده عندما سألته عن اسمه وسنه، فأجاب عليّ: بأن اسمه علي، وسنه 10 سنوات، ثم استرسلت في توجيه الأسئلة إليه، والتي كانت من قبيل الآتي: (إنت بتروح المدرسة ولا لأ، أبوك وأمك فين، تحب تاكل إيه؟) وغيرها من الأسئلة التي لم تسعفني الذاكرة حتى أسطرها في هذه السطور.

فكانت إجاباته للوهلة الأولى توحي أنها صادقة، بل إن صدقها كان من الطبيعي أن يجعل أي شخص يسمعها يمصمص شفتيه، ويتمتم بالحوقلة، لا سيما وأنها مصبوغة بالبلاهة وبراءة الأطفال، وأتضح ذلك جيدًا حين قال لي عندما سألته عن أمه: (أنا أمي بتعمل زيي) بعد أن أخبرني في بداية إجاباته على أن والده أصيب في حادثة سير لأنه يعمل سائق، وأنه ينبغي عليه هو وأمه أن يقوما بذلك حتى يستطيعا إطعام إخوته الأربعة الذي يعتبر هو خامسهم وأكبرهم، وتبلورت بلاهته بصورة أكبر عندما أخبرني بعد أن عرضت عليه العزومة على (سندوتشات فول وفلافل) – نظرًا لسعرها الزهيد المتلائم مع قوتي المحدودة – بأنه لا يحبها بل يحب (الجبنة الشيدر)!

بعد أنا غادرت المكان لم أتخيل إني سأراه مرة أخرى يشاور نفس الإشارة في نفس المكان، ولكن هذه المرة ليست لي بل لزميلات في الجامعة حاولت في بداية الأمر أن أتجاهل إشارته، ولكن دقات قلبي المتزايدة جعلتني أعود إليه مهرولاً بعد أن بعدت عنه بعدة خطوات، فعرضت عليه العزومة مرة أخرى في أحد المطاعم القريبة من الجامعة، ولكنه رفض الإتيان معي مرة أخرى، فبادلته السلام؛ وانصرفت في ذات الوقت الذي ذهبت فيه الفتيات إلى سيدة تبيع (مناديل) تجلس على بعد منه بعدة خطوات، لم أكترث كثيرًا بما كان يدور بين هؤلاء الفتيات وبين هذه السيدة في هذا الوقت؛ رغم معرفتي به – في الغالب – عندما رأيت «علي» في المرة الثالثة.

ففي المرة الثالثة؛ وجدته جالسًا على الأرض ممددًا رجليه، ولاحظت آثار كدمات فيها، ودفعني هذا إلى سؤاله عما أصابه، فقال لي أنه وجد 50 جنيها على الأرض وعندما ذهب ليأخذها ليبحث عن صاحبها ليعطيها له، وجد من يعرقله على الأسفلت، ويعتدي عليه بالضرب، ويزعم أنه صاحب هذه النقود، فبغض النظر عن مدى صدق نية «علي» إلا إن الاعتداء عليه آثار حفيظتي، وودت أن أعوضه عن الاعتداء عليه، ولكن الوجهة التي كنت أنا وزميلي الذي كان يسير معي إليها كانت في الانتظار، فقولت له: (أستنى أنا رايح مشوار سريع وجاي ليك أوعى تمشي أنا هجبلك حاجة حلوة).

ولكن – بعد دقائق – عدت إلى المكان الذي كان يجلس فيه فلم أجده، ولكن وجدت السيدة (بائعة المناديل) فذهبت إليها أسألها عليه؛ فقالت لي أنه ذهب ولا تعلم أين ذهب، ثم أردفت حديثها موضحة ليّ أنه ينتمي إلى (الغجر) وأن والده هو الذي قام بتسريحه بعد أن لقنه ما يقوله لاستعطاف الناس، وأن والده لا يسرحه هو فقط بل يسرح أمه وأخواته، وأن كل ما يدعيه هذا الطفل محض تخرصات، وإن كانت كلماته متمترسة وراء الادعاء بالصدق، فتلقين والده له على قدر كبير من الحبكة، بل أن هناك أقرانا له في نفس سنه وينتمون أيضا إلى (الغجر) كانوا جالسين مكانه، ولكن تم القبض عليهم وإيداعهم الإصلاحية، وختمت حديثها بأن هناك العديد من الزملاء والزميلات يذهبون إليها ليسألونها عن أهل هؤلاء الأطفال.

لم تنزل كلمات هذه السيدة على رأسي كالمطرقة كما تظن، لأني في البداية كنت أعلم أن حكاية علي قد تكون كلها كاذبة، ولكن كان عندي من حسن الظن في طفولته البريئة بأنه سيقول الحقيقة خاصة بعدما قلت له –أثناء ما كان يسرد حكايته- في أول مرة ألتقيته فيها نصًا (أوعك تكون بتضحك عليا) ولكن من الواضح أن البراءة التي في داخله سلبت منه مثلما سُلبت منه على صعيد مظهره الخارجي.

كما إني لم أشعر لحظة بالخديعة أو الغضب من عليّ بل إني لو رأيته مرة أخرى سأذهب إليه وسأصافحه، ولكني مستاء من الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي آلت بطفل في عامه العاشر إلى مخادع وكذاب حتى يظفر بجنية أو بلقمة، فعليّ الذي نشأ تحت وطأة فقر مدقع ليس على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي فقط بل على المستوى الأخلاقي أيضًا، من الطبيعي أن يكون هذا وضعه، حيث إنه لم يجد من ينصحه ويوجهه إلى الصواب، فوالده وفقًا لما قالته لي السيدة (بائعة المناديل) هو الذي قام بتسريحه فأين الأسرة التي تضم الطفل في كنفها وتعلمه قيمة العمل والصدق والأخلاق الحميدة؟ بل إن والده نفسه قد يكون وُلد في ذات الظروف المضنية، لذا فلن أتزحزح قيد أنملة عن تعاطفي وتضامني معه، مع رجائي أن تكون الإصلاحية التي يودع فيها أقرانه اسمًا على مسمى؛ فيتم تعليم الأطفال فيها القيم الطيبة، ومعاملاتهم على أنهم ضحايا للمجتمع في أمس الحاجة إلى يد حانية تأخذ بأيديهم، وليست مجرد مكان لقضاء عقوبة أو ملاذ للمجتمع من تسولهم.

فحتى لو افترضت أن حكاية عليّ برُمتها كاذبة وأنه ليس له أب أو أم، ولا حتى اسمه عليّ، وأنه طفل لن يختلف حاله عن أحوال الأطفال الذين كانوا في فيلم (العفاريت) كما قال لي أستاذي في الصحافة – أي أن هناك مَعلمة أومَعلم يستخدمهم في جلب الأموال عن طريق الشحاذة- حينما رأينا أطفالًا يفعلون كما فعل عليّ لن أفقد تعاطفي معه لأن وضعه في هذه الحالة سيكون أدهى وأفظع.

فإن كانت حكاية عليّ كاذبة وصنيعة ذهن من قام بتسريحه واستخدامه للظفر بالنقود، فإن الحكاية الأصلية وهي حكاية أطفال ولدوا في براثن ظروف مضنية تنتهك حقوقهم وتسلب طفولتهم وتؤول بهم إلى متسولين صادقة دون أدنى شك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد