مسجد كبير نسبيًا، مكانته فيما حوله من زوايا ومساجد ثابتة في وجدان رواده وأهل المنطقة، وذلك بفضل قدمه وتاريخه ومساحته وأمور أخرى مختلفة. يستقر المسجد في منطقة شعبية بعض الشيء، وأغلب رواده من الفقراء البسطاء، البسطاء في كل شيء! الذين إن ألقوا همومهم على عاتق الحياة لسمعنا للحياة أنينًا! وإذا نظرنا إلى بعض الجوانب فيما يمكن وصفه بديموغرافية المسجد، فإن من الضروري توضيح أن فئة كبار السن من أصحاب المعاشات هم الفئة المسيطرة بامتياز على مجريات الأمور في المسجد، مجريات الأمور هذه تتدرج عادة من أمور بسيطة قد تتعلق بالتحكم في الإضاءة، المراوح، التكييف، وضعية الكراسي في نهاية المسجد، وغير ذلك من الأمور التي يدفعهم الفراغ إلى الانشغال بها، بل إحداث المشكلات الكبيرة – في بعض الأحيان – بسببها! إلى أمور مفصلية تتقاطع أحيانًا مع رسالة وغاية المسجد!

هؤلاء العواجيز شكلوا مركز قوة عميق لا يفكر معه أحد العمال الثلاثة المعينين من قبل الأوقاف بالتصدي لهم ولا حتى إمام المسجد ذاته في كثير من الأحيان! ومع هذا تسير الأمور متناغمة في كثير من الأحوال دون أن تكون مثالية أو تقارب المثالية، فحتى الإمام الذي يُنتظر منه أن يوجه الدفة وحده – بطبيعة الحال كموظف مسؤول – يجد نفسه في كثير من الأحيان مكبلًا يعلوه سوط الشكاوي، وهو تهديد قد ينتج عنه نقله من المسجد إلى مسجد آخر أبعد عن منزله بشكل تعسفي! فيصبح قلقًا من نقله من المسجد، وأكثر حرصًا في التعامل مع مراكز القوى تلك التي أتت إليه في حقيبة واحدة مع باقي مسؤولياته كإمام!

متى بدأت المشكلة؟

تتوتر الأمور في العادة في أي مكان – وكذا في المسجد – إذا ما ألقي حجر في بركتها الراكدة، إذا ما حاول أحدهم تغيير المألوف، حتى وإن بدى سيئا بشكل جلي، تتوتر الأمور عندما تشكّ مراكز القوى بأن ثمة من يريد أن يمارس دوره – وإن كان الطبيعي – في التحكم فيما هو مكلف ومخول بفعله، تتوتر الأمور عندما يحاول شخص جريء محاولة مس التابوهات والثوابت التي صارت كذلك بفعل العادة، وباتت محاولات الاقتراب منها – في ذهن الكثيرين – ضربًا من الفجور والوقاحة والتعدي على الثوابت، حتى ولو كانت تلك الثوابت هي الداء ذاته الذي يدعي الجميع أنهم ينوون علاجه! ولكن ما السبيل إلى علاج مريض يفرض شروطه مسبقًا على طبيب اختاره؟!

إمام المسجد المعين من الأوقاف لا يتواجد في معظم الفروض بالمسجد (وهو أمر يعرفه الكبير والصغير)، وبالتالي فهناك إمام آخر عادة هو الذي يؤم المصلين ويسيّر بعض الأمور البسيطة… وفِي ذلك المسجد العتيق كان هذا الموضع غير مستقر على حالٍ حسنٍ مقبول، أو هو مستقر على حال ٍغير حسنٍ بالأحرى وغير مقبول! فقد تقدم لتلك الإمامة من لا يحسن القراءة، ولا يجيد التلاوة، أو من لم يحفظ من القرآن أكثر مما رتبه لأداء الصلاة! أو من تخيل أن الإمامة متوقفة على العمر وسنين الخبرة؛ فتقدم ليقرأ وهو – بفعل السن ذاته أحيانًا – لا يكاد يُبين! وضع بائس تمخض عن قلة الكفاءات وندرة المؤهلين للإمامة والقيادة وأداء هذه المهمة العظيمة والمؤثرة، وبينما هذه المهمة العظيمة تتقلب بين مجموعة ممن يحاولون فرض أنفسهم وهم غير أكفاء قام أحد المأمومين في يوم بتقديم رجل خمسيني ذي لحية متوسطة الطول ومظهر هادئ وقور للإمامة، فوجئ الحضور بتلاوته التي استحسنها الكبير والصغير! علموا أنه خاتم لكتاب الله! رجل لم يُفتِهم فيما لا يعلم، وكان له من العلم ما لم يحصِّل أغلبهم معشاره، رجل خلوق لم يسع يومًا للإمامة. كان هذا تقدمًا كبيرًا وخطوة طيبة لا شك! وكان السؤال، كيف لم يتقدم هذا الرجل من قبل للإمامة وكيف لم يقدمه أحد؟! كيف كان يصلي قبله بالناس رجل رده المأمومون في سورتي الفاتحة والكوثر؟  في الحقيقة أرى أن هذا الشيخ مخطئ؛ لأنه لم يزكِّ نفسه مع وضوح ما بينه وبين من كانوا يؤمّون قبله من فرق شاسع بيِّن كالشمس في كبد السماء! ولكن على كلٍ هذه ليست نهاية سعيدة متأخرة! بل هي مجرد بداية حزينة متكررة!

بداية الصدام!

فقط أشهر قليلة وانفجرت الألغام وبرزت الانتقادات لذلك الشيخ الحافظ لكتاب له، ثلة من العواجيز قادوا الحملة، من هذا الذي يريد أن يبدل تقاليدنا ويتجاوز سلطاننا؟ من هذا الذي يجرؤ على العبث بما ألفناه حتى صار عندنا دينا؟! كيف يجرؤ على الصلاة في فجر الجمعة بغير سورتي السجدة والإنسان؟ ثم كيف يجرؤ – بعد أن نزل على رأينا – أن يتم قراءتهما كاملتين ولا يراعي كبار السن؟ كيف يطيل في قراءته؟ ولماذا لا يقنت (يدعو) في صلاة الفجر؟!

كان هذا هو ما نقموه من الرجل وبالأخص الأمر الذي يتعلق بطول قراءته، فعاتبوه وأثقلوا عليه بما يحسنونه من جدال وسفسطة حتى أرهقوه وهو الهادئ الذي لا يكثر الكلام ولا يحسن الجدال، وهي خصلة باتت مهمة للتعايش في هذه الحياة في كثير من الظروف والأحيان. تركهم مرارًا طوعًا، وترك المسجد الذي يصلي به إلى مسجد آخر، إلا أن بقايا من أهل الحق كانوا يلحون عليه، فكان يعود إلى الإمامة حسبة لله، ولم يفرض نفسه على الناس قط!

ظلت المناوشات تتكرر من آن لآخر، يتقنها العواجيز، ولا يحسنها الشيخ، ولا من معه، ولا يصبرون عليها، حتى وصل الأمر إلى أن تصدى لهذا الشيخ رجل عجوز من أهل المسجد بعد صلاة الفجر في الطريق، واستفز الشيخ وافتعل مشادة لمز فيها الشيخ بيده! هذا الرجل المستفز كان كثيرًا ما ينم على الشيخ في المسجد؛ لأنه يطيل في الصلاة، وكان يسبه أحيانًا بعد انتهاء الصلاة بصوت يسمعه المحيطون متهمًا إياه بأنه يشق على الناس، ذلك الرجل الذي يقف في طابور العيش أضعاف وقت وقوفه في الصلاة صار هو ورجل آخر يجلس على الكرسي في آخر المسجد يسيرون في الناس بكلامهم، حتى أوغروا صدر الكثيرين! في النهاية كان هذا فراق بينهم وبينه، معركة بسيطة فاز فيها من قدسوا ما ألفوه وخسر من قدسوا الحق، كان للجهل فيها صوت عال، وكان الحق فيها ضعيفًا لا لسان فصيح له! كان للجهلاء ثقة تامة بمنطقهم الهش (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) وأصاب أهل الحق شك في أن الصواب هو مواجهة هؤلاء منذ البداية خشية أن تحدث فرقة! وبين (جهل) واثق متحمس، و(حق) متردد يسعى إلى كمالٍ لن يُنال أو يخشى الفرقة، ضاع الحق.

مقارنة واجبة

لقد كنت أرى في ذات المسجد وغيره منذ سنوات قليلة المسجد وهو منارة حقيقية يُحترم فيها أهل الدين وأهل القرآن، كنت أرى الشاب دون العشرين يحفظ كتاب الله أو يحفظ شيئًا منه ويتعلق حوله الأطفال يعلمهم آيات الله ويحظى هذا الشاب الصغير بتقدير واحترام من كل أهل المسجد ومن أولياء أمور الأطفال الذين يعلمهم كتاب الله، كان هناك احترام لهذا الشاب لأنه يحفظ كتاب الله ويواظب على صلاته ويتطلع لفعل الخير، أما الآن فلا يجد هذا الشاب سبيلًا ليفعل ما كان يفعله سابقًا، ولم يعد هنالك احترام حتى لمن هو أكبر منه سنًا ممن حوى كتاب الله في صدره وتقدم ليؤم الناس! إن ما أتحدث عنه ليس حالة فردية … إنه أمر متكرر ناجم عن تغيّر حقيقي في نسيج المجتمع، ولابد من التأمل في أسبابه والتي لا يتسع المقام لذكرها الآن.

غياب المنطق

هؤلاء الـ(مساكين فكريا) من الجماهير البسيطة غفلوا عن المعايير التي يجب أن يختاروا على أساسها إمامهم، نسوا ما عانوه قبله مع أئمة غيره ونسوا حديث رسول الله “يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ” ونسوا – أو تناسوا – أنه كان أفضل ممن سبقوه، وأنه لا يُرى أفضل منه ليخلفه، شعروا أن إزاحته يسيرة مقارنة بغيره ممن يرجون منهم مصالح مختلفة أو يعجزون عن إزاحتهم فلفظوه!

ربما يظُن البعض أن لو خفف الشيخ من طول قراءته لحلت أزمتهم معه، وهم في هذا الظن مخطؤون يقينًا! فلربما كانت لتحل هذه المشكلة تحديدًا، ولكن ما كانت أزمتهم تجاهه لتنجلي، ذلك لأن أزمتهم جوانية ذاتية تخالط منهم اللحم والعظم وتجري منهم مجرى الدم … أزمتهم في الجهل، ومع الجهل تزيد الثقة حتى تصل إلى أوجها بتقدم أعمار الجهلاء الذين يشعرون أن الزمن ألقى عليهم أثواب حكمته، فوصلوا إلى الجهل المقدس، وهم يخالون أنفسهم سيوحى إليهم لولا أنه ليس بعد نبينا نبيّ! أزمتهم في تقديس “ما اعتادوا عليه” حتى صار دينا فوق الدين! أزمتهم في هواهم، أزمتهم أن جهلهم جعلهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، أزمتهم أن من أمِن منهم العقوبة أساء الأدب!

لقد جعلني هذا الموقف أضيق بالصلاة في هذا المسجد، ولكن حاشا لله أن أكون قد ضقت ببيت من بيوت الله، وإنما ضقت برواده وبإمام جاهل جاء بعد ذلك الشيخ ولا يملك من مقومات الإمامة شيء … يخطئ في القراءة ويتصدر للإفتاء بجهل وبثقة فيضل الناس عن الحق ويتصدر للإمامة جبرًا دون اعتراض من أحد لأسباب لا مجال للحديث عنها هنا. لقد ضقت بجدل الجهلاء وخور الأتقياء وبسيطرة الجهل وانتكاس الفطرة وحول البصيرة عند الكثيرين، ضقت لمّا ضاق الأمل في المستقبل، وعندما شعرت بعجزي عن تغيير هذا الوضع الخاطئ يقينًا صرت أتطلع للهجرة من هذا المسجد والصلاة في مسجد آخر – وكذا غيري من أبناء جيلي خاصة – ولكن في كل الأحوال … أبدًا لن يأخذ مسجد آخر ذات المكانة في صدري.

الخلاصة

ما يحدث داخل هذا المسجد يحدث خارجه!

لقد نشد أهل الحق الكمال المطلق في بشرٍ فافتقدوه، فلما افتقدوه ترددوا، فلما ترددوا تاهوا وتفرقوا! فلم يُشَدُّ لهم قوسٌ أمام السهام المتحمسة للجهلاء الواثقين؛ تلك السهام التي انهالت عليهم من كل صوب! كما جبُن أكثر أهل الحق عن نصرة الحق – إلا قليلًا لا يغني جهدهم ولا يسمن من جوع – فعمهم الطوفان مع غيرهم فصاروا جميعًا من الخاسرين. أما “غيرهم” هؤلاء من ذوي الجهل المركب الذين كان لهم إمام فلفظوه، وحكّموا هواهم فضلوا وأَضَلُّوا، ومالوا إلى ما ألفوه وما وجدوا عليه آبائهم؛ استنئناسًا به أو اطمئنانًا إليه أو كبرًا لم يجهدوا في نزعه من صدورهم، فقد صاروا في الناس -بعاقبة صنيعهم – آية لأولي الألباب، وواقع الحال يغني عن المقال … لقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير فحق عليهم قول نبيهم “حيثما تكونوا يولّ عليكم”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد