لا أحد ينكر النقلة النوعية التي أحدثها وصول أردوغان إلى سدة الحكم في تركيا، إن كان على المستوى الاقتصادي أو السياسي، وهذا مما جعل جميع الأنظار تتجه لها لتكون قبلة لرؤوس الأموال والاستثمار من كل أنحاء العالم، حيث يحظى المستثمر بكثير من التشجيع والتسهيلات والإعفاءات الضريبية، وبعيدًا عن البيروقراطية في المعاملات، وبذلك أصبحت من أقوى الاقتصادات، ومن الدول التي يشار لها بالبنان في هذا الاتجاه، ويتوقع لها من قبل كبار الاستشاريين والمحللين الاقتصاديين بأن تتبوأ مكانة اقتصادية دولية كبيرة وذلك خلال الزمن المنظور، هذا ومما هو جدير بالذكر تصدرها العام الماضي المرتبة الأولى من حيث النمو بين مجموعة العشرين، والتي تمثل 85% من الاقتصاد العالمي.

وإذا أخذنا بالأزمة الاقتصادية الحالية، سوف نجد أنها مفتعلة للأضرار بتركيا، حيث إن هنالك الكثير من القضايا العالقة بين أنقرة وواشنطن منها ما هو سياسي بجانب واقتصادي من جانب آخر، وعلى أنها ملفات كثيرة وكبيرة وشائكة، ولكن سنحاول أن نورد أهم ما أدى إلى تفجر الأزمة بين البلدين:

القس الأمريكي

صرح أردوغان أن تركيا لن تكون صفقة لدى أحد أو ورقة رابحة في إنتخابات داخلية، ويقصد هنا انتخابات الكونجرس الأمريكي المزمع إقامتها في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، والتي بحل قضية القس الأمريكي أندرو برونسون والمتهم بالتجسس، والإفراج عنه يعتبر نجاح يصب في خانة الأحزاب الراديكالية الداعمة لترامب، ومع هذه القضية تعود وتطفو مرة أخرى على السطح قضية فتح الله غولن، ومطالبة أنقرة لواشنطن لتسليمه، وكأنها تقول إن كنتم تريدون القس سلمونا جولن.

إف-35 او إس-400

تتلكأ أمريكا في تسليم الأتراك طائرات إف35 مع أن تركيا مشاركة في صناعتها، متحججة بأنه لا يمكن للطائرات العمل في وجود الدفاعات الجوية الروسية إس400، وأن هذا يعد انتهاكًا للعقوبات المفروضة على روسيا، وأنه بإمكان الدفاعات الجوية وراداراتها التعرف على عمل الطائرات ورصد إشاراتها، ولذلك عرضت على تركيا الباتريوت، وهذا ما رفضته أنقرة، وكأنها تقول إن أردتم الطائرات فلتأخذوا الباتريوت معه.

https://p.dw.com/p/2tXr4?maca=ar-Twitter-sharing

تركيا مع كل مشروع تدخل فيه تشترط أن تدخل شركاتها في عملية التصنيع لتنقل هذه التكنولوجيا لها، وهذا ما فعلته في كل شراكاتها السابقة، ومنظومة إس 400 الدفاعية واحدة من تلك الشراكات، والتي تواجه أنقرة معها الكثير الإنتقادات والتحديات، بل التهديدات من قبل الجانب الأمريكي.

الفائدة مصدر كل الشرور

محاولة أردوغان التخلي عن الاقتصاديات التي كانت تعتمد وتتركز على جمع أموال المودعين في البنوك، حيث إن إستراتجية أردوغان الاقتصادية تعتمد على الاستثمار بدل رفع الفائدة، وجعل رأس المال متحرك في السوق ليعمل ويبني اقتصاده بنفسه، وبتلك السياسة الاقتصادية يمنح الأفراد ويوجههم إلى العمل بأموالهم على أن يخزنوها في البنوك وأخذ فوائدها، ومن جانب آخر يسمح للشركات الناشئة بتكوين كيانات اقتصادية لها وزنها، وعمل ما نافع، ويستفاد منه على هذا النحو من الأعمال لبناء اقتصاد متين، والذي يعود بالفائدة الحقيقية، وليس الربوية على الأمة التركية بشكل عام، ويصب في جيب المواطن بشكل خاص، ولتزيد فرص العمل وتقلل معها نسبة البطالة، ويؤكد ذلك التصريح الذي أدلى به أردوغان حيث قال: إن الفائدة مصدر لكل الشرور.

الذهب

ولكن ما أرعى انتباه الغرب بشكل عام، ودب الرعب في أمريكا بشكل خاص، هو ليس سياسة السوق المفتوح المتبعة وعدم كنز الأموال فقط. بل تصريحات أردوغان بخصوص إعادة ربط العملة بالذهب، وتزامن هذا مع سحب تركيا لمخزون الذهب التركي من البنوك الأمريكية، والذي يقارب 30 طنًا احتلت بها تركيا المركز العاشر بمخزون الذهب، وأتت احتياطاتها وفقًا لما أعلن عنه مجلس الذهب العالمي في فبراير (شباط) الماضي بمخزون يقدر 564.8 طنًا متقدمة بذلك على دولة كالهند، والذي يعتبر الذهب أحد أهم موروثاتها.

الانعكاسات والنتائج

 كان هذا له انعكاساته حيث تبعتها ألمانيا، وسحبت مخزونها من أمريكا، وبهذه الطريقة التي اتبعتها تركيا استشعرت معها أمريكا بالخطر، وأنه يصب ضد مصالحها الإقتصادية، ويبدي عدم ثقة من الدول إتجاه أمريكا، وكأنه يقال لها لم يعد الدولار هو الضامن للاقتصاد العالمي، وهذا الأمر لا تتقبله أمريكا بأية صورة كانت، فهو يدعو ويوعز جديًا للكثير من الدول من خلفها بأتباع نهجها، وهي تعرف وتدرك جيدًا مدى خطورة الوضع المالي والاقتصادي، وانعكاسه عليها بما لا تستطيع أن تقف أمامه أو تتداركه لو حصل أي انهيار كما حصل في أزمة الرهن العقاري، وأنها في هذه المرة سوف تكون القاصمة لها، وضياعها وضياع العالم من خلفها، ولذلك يسبب لها هذا الحديث رعب لا تحاول مجرد التفكير فيه علاوة على أن تعيشه واقعًا.

بعد هذه المماحكات الإقتصادية لأمريكا مع كل من الصين وتركيا والعقوبات على إيران وروسيا، سيصبح التوجه نحو التبادل التجاري بالعملات المحلية، والابتعاد عن الدولار بالصادرات بين هذه الدول للخروج من تحت عبائة وتبعية الدولار ولتقوية عملاتها، وإذا نظرنا بنظرة مستقبلية أكثر تفاؤلية فهم أمام حلين، إما اعتماد عملة من هذه العملات أو الخروج بعملة موحدة على غرار اليورو، وأمام تركيا عدة خيارات لتخفف عنها وطأة الأزمة، منها الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة دول البريكس، ولربما وصلت بعض المعلومات الي واشنطن تشير لهذا الجانب، حيث إن الأحداث تسارعت بعد حضور أردوغان قمة دول بريكس كضيف، والتي أقيمت قبل تفجر الأزمة الاقتصادية بأيام فقط في جوهانسبورغ.

بفضل سياسة ترامب المتخبطة، وأخذه لدور بلطجي العالم، فهو يحث الخطئ نحو إنتفاء الرأسمالية المقيتة، التي رزح العالم تحت ظلمها وجورها وجبروتها حقبة ليست بقصيره، أرست بها قوانينها ووضعت خطتها لتتلاعب وتسير العالم كيفما تشاء، فهي كمن اخترع لعبة ووضع لها القوانين التي تجيز لها أن تفوز دائمًا، وفرضت على الدول أن تلعب لعبتها بقوانينها، بل وخطت لنفسها الخطط، والتي لا تسمح لأحد أن يلعب بهذه الخطة إلا هي، بمعنى آخر مهما ربحت لن تغلبني، ولن تستطيع أن تفوز، وأخيرًا تجد نفسك أنت الخاسر الأكبر حتى ولو تهيأ لك أنك ربحت في بعض أوقات هذه اللعبة

كل الأعذار لهذه الهجمة الأمريكية ما هي إلا أعذار كاذبة، ومماحكات واهية يفتعلها ترامب لتخضيع تركيا، وجعلها تسير مع القطيع، فأي ضرر سيصيب تركيا سوف يلقي بظلاله على الأسواق العالمية بشكل عام، والأسواق الأوروبية بشكل خاص، فلذلك على المجتمع الدولي أن يتنبه ويراجع حساباته، وتقف الدول على الأقل الكبرى منها أمام مرآتها الاقتصادية، لتفكر مليًا وجديًا إلى متى، وهي تحت رحمة هذا الدولار المتغطرس الذي بإمكانه أن يصيبها بمقتل في أية أزمة كانت حقيقية أو مفتعلة، لتخضع الدول والشعوب تحت رحمة هذه العملة المالية والآلة الاقتصادية، وجب الآن القفز من هذه السفينة التي توشك على الغرق بفضل سياسات هذا الأرعن.

تركيا من الداخل

مما يبشر بخير في هذه الأزمة هو تماسك الجبهة الداخلية التركية، وكيف إن الأحزاب السياسية المعارضة وقفت صف واحد مع أردوغان، وهم منذ أسابيع قليلة منافسون له، بل حتى لم يضعوا في حسباتهم واعتبارهم الانتخابات البلدية القادمة، ولم يحاولوا أن يستغلوا هذه الأزمة لمصلحتهم.

وهنا يجب أن نقف لنتعلم ونفهم هذا الدرس العثماني المهم، ولنأخذ منه جل العبر وكامل الاستفادة، لنعرف أن الأمة المتماسكة لا يغلبها بشر ولا تهاب من به شر، عندما تتحدث بلسان واحد وتقف أمام الخطر وقفة رجل واحد لصد أي عدو يريد أن يضر بمصالحها أو يهز أركانها واستقرارها، محاولًا بأي شكل كان أن ينال من كرامتها وعزتها، وما أشبه اليوم بالأمس فهو يذكرنا بالانقلاب الفاشل، التي أجمعت الأمة التركية بجميع فئاتها وطبقاتها وانتمائاتها وتياراتها وأحزابها على صده والوقوف ضده، وخرجت منه أكثر صلابة وبكل مهابة.

أخيرًا:

وكما قال أردوغان: لهم دولاراتهم ولنا الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!