ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. اللهم ألّف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم، تغريدةٌ نشرها الداعية والأكاديمي السعودي سلمان العودة على إثر أنباءٍ عن اتصال أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بولي عهد المملكة العربية السعودية قبل سنة من الآن، تغريدةٌ تمنى فيها العودة ألفة القلوب ووحدة الصف الخليجي اتخذتها السلطات السعودية ذريعة لاعتقاله تعسفيًا وتوجيه وابل من الاتهامات ضده، إلى أن عرض قبل أيام قليلة على محكمة جزائية متخصصة – لا أساس قانوني لها – في جلسة سرية، ووصل الأمر بالنيابة العامة إلى المطالبة بقتله تعزيرًا.

سلمان العودة وعائض القرني.. أو لم نمضي على الدرب معًا؟

عُرف عن العودة والقرني علاقتهما الوثيقة وصداقتهما القوية، اتبعاهما النهج الوسطي نفسه وطرحهما لبعض القضايا السياسية وقضايا الشأن العام والخوض فيها مع متابعيهما، ولكن بعد سجن الأول نأى الثاني بنفسه عن كل ذلك وحتى عن نصرة صديقه المعتقل ولو بالدعاء له، وفضل أن يختار سلمان الحزم، ومحمد العزم، كما سماهما هو، وتحول حسابه على «تويتر» كما قال مذيع (MBC) إلى حصن المسلم، فرد فضيلة الشيخ بأنه تعلم بأن للسياسة والشأن العام أهلهم، وهو ليس منهم؛ فهو ما عليه إلا تبليغ الدين، وكأنه لم يسمع بأن أفضل الجهاد كلمة حق عند حاكم جائر، أو أنه اتقى شر نفسه، واختار التطبيل للظالمين على أن يلقى مصير صديقه.

الإرهاب: تهمة من لا تهمة له

37 تهمة وُجهت للداعية سلمان العودة، لا يتسع المقام لذكرها ولا أظن أن هناك ضرورة للوقوف عليها؛ فهي لا تتعدى كونها اتهامات مستفزة فضفاضة لا أساس لها من الصحة ولا ترتكز على أي أدلة أو أسس قانونية، وكأن من وضع تلك اللائحة كان يريد فقط ملء الفراغ بما يحلو له، فنتج عن ذلك لائحة اتهام أقل ما يقال عنها سخيفةٌ وساذجة. وبكل تأكيد أغفل موجهي الاتهامات التهمة الحقيقة خلف اعتقال العودة، فهو والله ما كان من المفسدين في الأرض أو المحرضين على الإرهاب، وحتى عضويته في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عدها هؤلاء تهمة يحاسَب عليها أمام القانون.

تهمة العودة الحقيقية التي يعرفها الجميع في قرارة أنفسهم حتى وإن أنكروا ذلك، هي أنه رفض الظلم والجور ورفض أن يقف في صف المطبلين لابن سلمان وسياساته، والعودة ليس وحده. فمنذ أن بدأ ابن سلمان ما سماها حركة إصلاحات في المملكة اعتقلت السلطات السعودية تعسفيا مئاتً من الشيوخ والدعاة والناشطين والناشطات الحقوقيين، كلهم يجمعهم شيءٌ واحد، وهو أنهم رفضوا أن تكمم أفواههم، وأن تقمع أفكارهم، فحرية الرأي والتعبير حق من حقوق الإنسان كما الأمن والسلام والتعليم وغيرها من الحقوق الأساسية، ولكن هذه الحقوق عند سلطات الظلم والاستبداد تصبح تهمة لا تعطي لمن يطلبها خيارًا سوى السجن والتعذيب، وهؤلاء المعتقلون الشرفاء آثروا السجن على أن ينتحروا فكريا ويبيعوا مواقفهم للظالمين، فتحية إجلال لهم؛ لأن أمثالهم هم من يصنعون مستقبلًا أفضل للأجيال القادمة.

محمد ابن سلمان تجاوز كل الخطوط الحمراء في موضوع الحريات والعدالة، فلم يكتفِ بقمع الأصوات المعارضة له وزجهم بالسجن بدون أي تهم واضحة، وسلبهم كل حقوقهم من محاميين وشهود وغياب شروط المحاكمة العادلة، بل تجاوز ذلك إلى اعتقال من آثروا الصمت على أن يكيلوا المديح لسموه وسياساته الحكيمة فحتى أولئك لم يسلموا من ظلمه.

ظلمٌ وقمعٌ واستبداد، كلماتٌ تلخص سياسة الأمير الشاب للحفاظ على سلطته ونفوذه في وجه كل من تسول إليه نفسه أن يعارض صاحب السمو أو أن يختلف معه في الرأي، أو أن لا يطبل لفخامته، وفي ذلك لا أجد شيئا يقال أفضل من قوله عز وجل في كتابه الحكيم: ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. وأما للشيخ سلمان العودة فأحببت أن أهديه بضع كلمات للمنشد رامي محمد، ليست من محب فقط، وإنما من أخٍ له في نصرة الحق فأقول له: أخي أنت حرٌ وراء السدود، أخي أنت حرٌ بتلك القيود، إذا كنت بالله مستعصمًا، فماذا يضيرك كيد العبيد؟

الحرية لسلمان العودة وجميع معتقلي الرأي الحر في السعودية والعالم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد