يسألني أحد الأصدقاء عن رأيي في الحملة التي يخوضها المغاربة هاته الأيام عن مقاطعة المنتوجات التي تحتكر السوق، وفي سؤاله شيء من الاستفهام حول مقاطعة منتوجات بعينها دون أخرى.

إن مقاطعة منتوج دون آخر يا صديقي يتخذ أكثر من معنى: فالمقاطعة يا صديقي سلاح فتاك عبر التاريخ فقد استعملته الشعوب ضد دول إمبريالية انتهت هذه الأخيرة بالدخول في مفاوضات على الاستقلال وخير دليل مقاطعة «غاندي» للمنتوجات البريطانية؛ فالمقاطعة سلاح شعبي فتاك يصيب بشراسة الخصم، بدون خسارة تذكر من الجانب الشعبي.

المقاطعة تغيير جذري لقواعد اللعبة الاقتصادية، فبعد تحرير الأسعار الحكومية، وفشل لجان تقصي الحقائق البرلمانية في ردع شراهة الشركات الاقتصادية الجشعة، هنا تحضر مقاومة الشارع من خلال رفع وعي المواطن وهي المعادلة الأصعب، الأهم في المقاطعة رفع وعي الجماهيري.

هذا الشعب الذي يلهونه في مبادرات للتنمية من خلال تربية أسرة فقيرة للأرانب ، أو بيع الحمص في عربة، في المقابل تجد الشركات الكبرى الجشعة كل تحويلاتهم بالعملة الصعبة، ويأتي أحد مديري هاته الشركات ويصف الشعب بالخونة لأنهم قاطعوا منتوجاته.

والأجمل في ذلك أن الشعب المقاطع أضاف للمعركة وعيًا راقيًا ومشرفًا عندما حافظ على المستوى الأخلاقي الرفيع لموقفه، حين ترفع عن نعت وزير لهم «بالمداويخ» ومدير شركة حليب بخونة الوطن، وبعض الجرائد التابعة «بالاستحمار».

الجدير بالذكر أن هؤلاء بنعوتهم يعبرون عن صدمتهم، يخرجون من «فيلاتهم» المكيفة، ليسبوا ويلعنوا مقاطعين، فاجؤوهم بقدرتهم على التعبئة لقضية عادلة، وقدرتهم عن الدفاع عن موقفهم رغم أنهم غير مسنودين لا بدواوين وزارية، ولا بمكاتب دراسات، ولا بخليات أزمة، ولا بقنوات أو جرائد، لكنهم أغرقوا كل خصومهم بواسطة محمية زوركربيرخ «الفيسبوك» الذي فاض على الواقع

إن استمرار المعركة رهين بأهداف، وجب التذكير بها: أولا تعتبر المقاطعة الحالية فعلًا هادفًا، فهو يركز في معركته على منتوجات ثلاثة، ليس غفلةً عن جشع شركات أخرى، ولكنها استراتيجية لربح معركة وليس لخسارتها. ثانيًا فعل المقاطعة ممتد زمنًا، فالخطة ذكية ومريحة، واختيارات الاقتناء متعددة، والنفَس النضالي الذي غُذيَت به المقاطعة يتجاوز النَّفَس المطلبي الصِّرف. ثالثًا فالمقاطعة تعبر عن الكرامة، فالمقاطعون لا يناضلون من أجل الفتات، ولا الاستجداء الشركات، بل هو تعبير عن التضامن مع أبناء الشعب المُفقَّر، وإدانة للتصريحات اللاأخلاقية لمسؤولين لا مسؤولين. رابعًا وأخيرًا فالمقاطعة تنتشر انتشار النار في الهشيم بين مكونات المجتمع، مما لا شك فيه أن المعركة أصبحت حديث الشارع، ومن المؤكد أنها تربح كل يوم جمهورًا مضافًا، وهو ما ينسجُ مغربَ مواطنةٍ جديد، يتجاوز مؤسسات خرساء بئيسة.

أيها السادة من شروط نجاح المقاطعة يجب أن يحظر طول النفس، واستهداف منتجات بعينها، وعدم التنازل ولو كانت هناك تخفيضات بسيطة، وتوسيع القاعدة الجماهرية ونشر كل ما هو جديد حول الخسائر التي تتكبدها هذه الشركات من أجل رفع معنويات المقاطعين من أجل تشجيعهم على الاستمرار.

فالهدف من المقاطعة هو خلق جو من المنافسة بين الشركات وبالتالي تخفيض الأثمنة ومنع احتكار السوق من طرف شركة واحدة الشيء الذي سيحسن الجودة ويخفض الثمن.

ومن المهم أن نذكر بالأمور التي ستفشل المقاطعة ومن جملتها مقاطعة منتوجات كثيرة أو عدة علامات تجارية لنفس المادة، مثلا مقاطعة جميع منتجي زيت المائدة، لا يمكن أن نتصور ذلك، حيت لا يمكن الاستغناء عن الزيت، لكن يمكن جعل الشركة ذات أكبر حصة تخفض الثمن، وبالتالي تحفيز المنافسة، أما السبب الثاني هو الخروج إلى الشارع في مسيرات أو ما شابه ذلك، وحدوث ذلك سيجر الحملة إلى منعرجات ستفشلها.

المبدأ بسيط، أنت لديك منتوج تقوم ببيعه بثمن ليس مناسبًا لقدرتي الشرائية لن أشتريه، وانتهى الكلام لن تجبرني على شراء علامة تجارية معينة وأنا أرى أن هناك منتوجًا آخر أفضل جودة وأقل تسعرة، ومع العلم أن هذا الأخير علامة تجارية وطنية، وهنا يمكن القول أنني لن أخلف ضررًا في الاقتصاد الوطني كما جاء على حد تعبير مديري الشركات المُقاطعة.

من اليوم فصاعدًا المقاطعة ستصبح سلاحًا اجتماعيًا فتاكًا بعيدًا عن التسييس الحزبي، ويرصد بفعالية القدرة الشرائية مقارنة بغلاء الأسعار، مع اتباع استراتيجية: تركيز معركة، وتعميم الوعي، والصبر وطول النفس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد