لطالما كانت هناك أحاديث تدور حول كيفية إصلاح دول العالم الإسلامي وكيفية العودة إلى الطّريق السّليم، أحاديث بين الرّفاق وأحاديث على شاشات التّلفاز وفي مواقع التّواصل الاجتماعي، وأحاديث في نفس كلّ غيور على دينه حزين على ما آلت إليه أمّتنا من ضعف وهوان.

لكنّ الغريب أنّ معظم تلك الأحاديث تنتهي بأنّه يجب إصلاح المجتمع قبل التطلّع إلى الحصول على حاكم صالح، يجب أن يكون أفراد المجتمع صالحين ليستحقّوا حاكمًا صالحًا. وتبدأ التّساؤلات هنا: كيف يمكن أن تصلح مجتمعًا بأكمله؟ ثمّ يأتي الردّ المنطقي أنّ ذلك لن يكون إلّا عن طريق علماء الدّين، فهم قدوة الشّعوب مهما ابتعدوا عن الدّين وشغلتهم الدّنيا.

ثمّ تنظر إلى أولئك العلماء المزعومين لتجدهم لازالوا يتحدّثون في مسائل قد عفا عنها الزّمان، لازالوا يخاطبون عقولنا بكلام يُوجّه لحديث عهد بالإسلام، لازالوا يعلّموننا الوضوء ويوصون الزّوجات بقبول التعدّد كونه فعلًا حلالًا يؤكّدون عليه. لكنّك نادرًا ما تسمع من أحدهم كلمة حقّ تفيد هذا الشّباب المسلم الضّائع الّذي لا يدري كيف يتصرّف في خضمّ الأزمات الّتي تتوالى. وقد يأتي هنا من يقول لي كيف تستهينين بجزء من الدّين، وأنّ دين الإسلام كلّه مهمّ ومن الواجب تعريفه للمسلم؟ وسأجيب عن هذا في شقّين: أوّلهما أن صدّقوني فالكلّ يعرف تلك الأحكام، الكلّ يعرف الحرام من الحلال والكلّ يدرك ما هي الشّبهات الّتي لا يجب أن يقترب منها. أرى أناسًا لا يبدون أيّ نوع من التديّن يعرفون أمورًا في الدّين لا يعرفها ذاك الحريص على دينه، لكنّهم لا يطبّقون! أتعرفون لماذا؟ لأنّهم لا يشعرون بهذا الدّين، لا يرون فيه عزّتهم كما كان يراها أسلافنا، لم تعد في أنفس الشّعوب تلك الحميّة لهذا الدّين لأنّ بريقه ينطفئ يومًا بعد يوم في أعينهم، ولا ينطفئ من شيء إلّا من علماء الدّين ممّن لم يحسنوا تقديمه للملأ، قد يكون بعضهم يفعل ذلك بدون قصد بينما الجزء الأكبر مسيّس لفعل ذلك! والشقّ الثّاني أنّ أولئك العلماء أنفسهم من زرعوا فينا فكرة أنّ الإصلاح يبدأ من إصلاح النّفس، ثمّ إصلاح المجتمع وما إلى ذلك، رغم أنّهم لا يقومون بواجبهم في إصلاحنا، بل غالبهم ينفّروننا من هذا الدّين بتشويهه. وبكلامهم عن هذا الإصلاح العكسي المستحيل يعطوننا فكرة بائسة كبرت معنا وهي أن ننتظر معجزة تسقط من السّماء فنستيقظ يومًا ما لنجد المجتمع صالحا كما نتمنّى! إمّا هذا أو نطرق على بيوت النّاس بيتا بيتا ونرجوهم أن يصلحوا أنفسهم ويكفّوا عن ممارساتهم الفاسدة وعن مخالفة أوامر الله، لعلّ هذا الحلّ يفلح!

الحقيقة أنّه تاريخيًا لم يبدأ يوما الإصلاح من الأسفل إلى الأعلى، لا يمكن أن تسير الأمور بهذا الشّكل غير المنطقي. الحاكم وحاشيته هم رأس أيّ بلاد أو أمّة أو حضارة، هم من يسنّون القوانين وهم من يقرّرون أيّ دستور ستتبّع هذه الدّولة أو الأمّة، وهم القدوة كونهم محطّ أنظار الشّعب، فإن صلحوا صلح الشّعب، وإن فسدوا سار على دربهم. صحيح أنّ الحاكم ليس إلّا فردا من أبناء هذا الشّعب الّذي يحتاج للإصلاح، فقد يسأل أحدهم أن كيف يمكن أن يخرج حاكم صالح من بين شعب فاسد؟ والإجابة هي أنّ الشّعب أو المجتمع غير الصّالح لا يعني أنّ كلّ أفراده غير صالحين، الصّلاح لا يمكن أن يختفي كلّيا من أمّة ما، وبالأخصّ من أمّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام. لكنّ المشكلة أنّ هناك أفرادا صالحين فحسب بينما تنقصهم الصّفة الملازمة والأهمّ، وهي أن يكونوا مُصلحين! ما الّذي سيفيد به شخص صالح يكتفي بشؤون نفسه ولا يعمد لتوجيه صلاحه هذا ليكون ذا فائدة؟ المشكلة في عالمنا الإسلامي أنّ الأفراد الصّالحين ليسوا فاعلين في المجتمع، ليس لديهم أيّ طموح للإصلاح.

إذًا إن كان الإصلاح يجب أن يبدأ من الأعلى فهو يعني أن يكون هناك البديل للحاكم الفاسد. وقد يقودني هذا لما يُسمّى بثورات الرّبيع العربي، وأنا لست سياسية ولا أدّعي أنّ كلامي صائب 100%، لكنّني رأيت ثورات قامت دون أن تجد البديل، ما الفائدة أن تُسقط حاكمًا فاسدًا، ثمّ يأخذ مكانه حاكم فاسد مثله؟ وما الفائدة من إسقاط نظام دون أن يحصل تغيّر جذري في كلّ فروعه ليتمّ استبدالها بأفراد صالحين لهم نفس الهدف. رأينا في تلك الثّورات عودة لرموز الأنظمة السّابقة في مناصب مختلفة وكأنّ شيئًا لم يتغيّر، هذا عدا عن اعتلاء السّلطة من قبل أفراد لا يختلفون عمّن كان قبلهم، فأين هو المكسب من تلك الثّورات؟ والأمر الأهمّ الّذي أراه قد سبّب خللًا وكان سببًا في عدم نجاحها هو كونها خرجت تبتغي مطالب دنيوية، ثورات الجياع لا تمثّل أمّة الإسلام! نحن أمّة عزيزة علينا أن ندرك أنّنا حين نثور فيجب أن تكون ثورة عزيزة. وخير دليل على ذلك هو كلام عمر بن الخطّاب المشهور حينما، قال إنّنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزّة بغيره أذلّنا الله! هذا الدّين منوط بنا شئنا ذلك أم أبينا، وإن لم نحتضنه كما ينبغي فلن يتغيّر حالنا.

لكن التّناقض الآن يكمن في أنّ إسقاط الحاكم الفاسد لم يفلح، ولا يبدو أنّ هناك طريقة لإصلاح المجتمع، فما الحلّ؟ وهنا أقول إنّ التّجربة الأيّوبية خير إجابة لهذا التّناقض. فصلاح الدّين الأيّوبي ليس كما يصوّره التّاريخ، لم يكن بطلًا خرج من العدم فاستطاع أن يهزم الصّليبيين ويعيد القدس. كانت هناك خطوات مهمّة قد تغفلها الكتب أحيانًا لولاها لما نجح صلاح الدّين في مسعاه. فقبل أن يبدأ التحرّك كان هناك بالتّزامن حملة علمية واسعة النّطاق لتربية قادة وجنود يتحرّكون بدافع نصرة الدّين، وقد قاد تلك الحملة عدد من العلماء ممّن كان لهم الأثر الكبير في تكوين نخبة قادرة على قيادة الأمّة. وبفضل تلك النّخبة وقائدها البطل استطاعت الدّولة الأيّوبية أن تستعيد المجد. وهناك خطوة مهمّة أخرى قام بها صلاح الدّين قبل التوجّه إلى الصّليبيين وهي تدمير الدّولة الفاطمية تلك الدّولة الشّيعية الّتي كان لها كثير من الأذى على الأمّة، وهو ما يعني أنّ معرفة عدوّك القريب وتصفية السّاحة من العملاء هو أوّل خطوة نحو الإصلاح، ثمّ النّصر.

هناك تجربة أخرى كانت تثير اليأس في نفسي وهي تجربة المصلح المجدّد عمر بن عبد العزيز. فحينما تولّى عمر الخلافة كان الفساد مستشريًا في الطّبقة الحاكمة وهي الأسرة الأموية، وقد استطاع عمر بعد كلّ التغيّرات الّتي حصلت في دولة الإسلام، وبعد أن بدأت الدّولة الأموية تحيد عن الطّريق، استطاع هذا الخليفة أن يعيدها إلى أجواء الخلافة الرّاشدة. وما كان يثير اليأس في نفسي هو أنّ المجتمع في ذلك الوقت كان قريبًا من عهد الخلفاء الرّاشدين، وكان صالحًا بما يكفي ليتكاتف مع الخليفة في السّير بالأمّة، لكنّ ذلك غير صحيح. لولا أنّ عمر بن عبد العزيز اتّخذ منهجًا إصلاحيًا يستحقّ الدّراسة لما صمدت دولة الإسلام كثيرًا من بعده. وذلك أنّه قد اتّخذ خطوات أعادت إلى المجتمع روحه، فأوّلها هو رشده وسياسته في ردّ المظالم الّتي حصلت قبل عهده وقد بدأ بأقاربه من الأسرة الأموية ممّن حنقوا عليه وعاتبوه على تجريدهم من مزاياهم وثرواتهم، وثانيها أنّه أوقف الفتوح واهتمّ اهتمامًا شديدًا بتعليم المسلمين الجدد الإسلام الصّحيح فأرسل أعرف النّاس إلى البلاد المفتوحة ليعلّموهم الدّين ويصنعوا منهم جنودا للأمّة. ولو نظرنا لتجارب مختلف الدّول والأمم والحضارات فسنجد أنّ فسادها وصلاحها كان مرتبطا بالنّخبة الحاكمة، فحينما يصعد إلى الحكم نخبة صالحة يصلح المجتمع وتزدهر الدّولة، وحينما تحكم نخبة فاسدة فإنّ المجتمع يفسد وتنهار الدّولة.

لعلّي سأكتفي بهذه الأمثلة كي لا يكون المقال طويلًا ثقيلًا على نفس قارئه. والمغزى من كلامي هذا كلّه هو أنّنا لا يجب أن ننتظر إلى أن يسقط علينا الحلّ من السّماء، ولا يجب أن نتوهّم أنّ إسقاط حاكم فاسد يعني أنّ مشاكلنا قد حُلّت. علينا أن نعي أن طريق الإصلاح يعني أنّك إن كنت ترى في نفسك شخصًا قادرًا على دخول عالم السّياسة بذكاء إلى أن تصل إلى مراكز حسّاسة فلا تتردّد، الإصلاح لن يكون إلّا بمجموعة أشخاص صالحين لديهم ما يكفي من الهمّة ليكونوا مصلحين أيضًا، ولديهم ما يكفي من العلم الدّيني والدّنيوي ومن الذّكاء والحنكة ما يجعلهم قادرين على الوصول إلى الأعلى بسلاسة، وحينها فقط يكون إسقاط النّظام الفاسد مفيدًا لأنّ هناك من سيحلّ محلّه، وحينها فقط سيصلح المجتمع الّذي سيرى في القيادة الصّالحة قدوة له وسيرى في قوانينها الحازمة ردعًا له عن أيّ فساد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب أهداف التّربية الإسلامية للدّكتور ماجد عرسان الكيلاني.
كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدّين وهكذا عادت القدس للدّكتور ماجد عرسان الكيلاني.
كتاب الدّولة الأموية للدّكتور علي محمّد الصّلابي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد