قد يبدو لك عزيزي القارىء العنوان صادمًا للوهلة الأولىَ، لكنك إن تمعنت جيدًا في حقيقتهِ يصبحُ مألوفًا بالنسبةِ لك، وحتى أكون أكثر توضيحًا، دعني أُطلعكَ على بعضِ كلمات كتبها د محمد محمود شعيب عبر حسابه الشخصي على موقع فيسبوك قائلًا:

– المُتحرش الذي تتوعدهُ برامج التوك شو هو ذاته البطل، والفنان الذي نمجده، ونثني على أدائه، ونصفق له حين تعرض له أعماله التي يقوم بها مُتحرشًا.

الإعلام هو من صنع التحرش، وعظم شأنه في البداية، ونحن من خلفه نسير بلا وعيٍ ولا إدراك، فلا ضير أن وجدنا من يقلد ذلك الفنان الذي صُفِقَ له آنذاك.

وقد يستخدم شخص المتحرش عبارات الغزل والإعجاب لمضايقة الضحية، وهناك مَن يستخدم عبارات بها إيحاءات جنسية، ومنهم من يستخدم العبارات الجنسية الصريحة، وعبارات أخرى بذيئة تعني بوصف أعضاء الجسم، وقد يمتد الأمر إلى مُلامسة الجسم مُباشرة، وعليه فإن التحرش له وجهان:

الوجه الأول عَلنِي وهو ما نراه في الطرقات، ووسائل المواصلات، والشواطىء، والحدائق العامة، والأسواق، وفي المتاجر والمولات بشتى أنواعها.. حتى أننا لنرى ثمة تحرشات تجري بعيادات الأطباء، ومكاتب المحاماه، وعبر الهواتف المحمولة، ولا أعتقد حقيقةً أن القوانين المُوضوعة تُمثلُ رادعًا للمتحرشين. أنا أرى أنها وُضعت لتحمي الجبناء، وصديقي يرى أنها وُضعت لتُخترق، ويبقىَ التحرش.

الوجه الثاني خَفِي، وهو ما يجري خِفيةً من خلفِ الستار، ووراء الأعين، وعادة ما يكون المتحرش من الأقارب، والأصدقاء.

وعلى ذلك، فإن الدور الرئيس للأسرة يبدو جليًا ها هنا من توعية لأطفالهم مُنذُ الصِغر بأنَّ أجسادهم هذه ليس من حق أي شخصٍ مهما كانت صفتهُ، وشأنه رؤية هذا الجسد، وإنما هو ملكيةٌ خاصة بصاحبه ينبغي عليه حفظ حرمتهِ، وقدسيته.

فليس بالضرورة أن يكون المتحرش شخصًا غريبًا، فبالنظر إلى هاشتاج تم تفعيله عبر موقع التواصل الاجتماعي #أول_مرة_تحرش_كان_عمري

نجد أن نسبة كبيرة من هذه التجارب القاسية كانت لأطفال من أقاربهم وأصدقائهم، ويمكن الحد من هذه الظاهرة بمصاحبة الطفل في صِغره، والاهتمام بما يقولهُ وعدم تكذيبهُ حتىَ وإن قال شيئًا غريبًا، ومن ثُمَ البحث وراء ما قاله، والتحري عنه بعينِ الدقة.

ومع تزايد نسبة التحرش هذه الأيام تتعالى الصيحات المُطالبة بوقفِ، وردع أولئك المتحرشين الذين صنعتهم أيدينا بدايةً من ردود فعل الضحايا في أثناء تعرضهن للتحرش فإحداهنا لا رد فعل لها، وأخرى قد يُشعرها ذلك بأنوثتها، وأنها فتاة مرغوبة، وهناك من تكره النزول للشارع، ومن ثُمَ تتعرض للاكتئاب.

والأمر كما قلنا سابقًا لم يعد قاصرًا على الشارع فحسب فبعض النساء تتعرضن للتحرش من زملائهن بالعمل، سواء كان عن طريق النظرات، أو الإيحاء في أثناء الكلام، ولا أقل أن ذلك يحدث للفتيات العازبات، وإنما المتزوجات.. وإن كنا أدق في التعبير، فالمُطلقات أكثرهن تعرضًا للتحرش.

وقد يبرر بعض الناس هذه الأفعال استنادًا إلى الملابس التي ترتديها النساء، من وجهة نظري لا أنكر ذلك، ولكني أجعله آخرُ الأسباب التي تدفع بالشخص للتحرش. أنا أري أنها مسألة نفسية بحتة جراء الضغط العصبي الذي يُلاقيه شخصًا ما في حياته الأسرية، والفراغ الذي يمضي فيه، كما أن القوانين التي تخصُ هذا الشأن لم تعد قادرة على ردعهم، والإمساك بزمامِ الأمور، ولا نستثني من ذلك ردود فعل الضحايا، ولا أدري إن كان هناك من يتفق معي أن التشدد الديني ألفاظًا ساعد على انتشار هذه الظاهرة، بالرغم من تحريمه!

وقديمًا حين كان هناك أُمة لها عِزة، وكرامة أسرىَ الرومان امرأة من نساء المؤمنين، فصاحت وإسلاماه.. ومحمداه

ولما عَلِمَ خليفة المسلمين بخَبرها، وكان آنذاك المعتصم العباسي أرسل مكتوبًا إليهم فقال:

-من المعتصم خليفة المسلمين إلى كلب الروم.. أما بعد…

فإذا وصلكَ كِتابي فأطلق سراحها، وإلا أرسلت إليك بجيشٍ أولهُ عندك وآخرهُ عندي.

فأمر ملك الروم بتجهيز جيش حراسةٍ لها من النساء حتى لا يؤذوا شعور المسلمين.

الممنوع مرغوب، وسيبقى مرغوبًا مادام ليس هناك ضوابط تحكم، وتساعد على حماية هذا الممنوع الذي لم يعد يشمل المرأة وحسب، وإنما امتد فشمل الأطفال، والرجال.

لابد من المعاقبة الفورية، والعادلة لأولئك المتسببين في قلبِ حياة الضحايا رأسًا على عقب، فكل شخص له حقهُ في العيش بكرامته في وطنه.

ما معنى أن تكون إنسانًا، ولا تعترف بأحقية غيرك في العيش مثلك!

كيف تكون إنسانًا وأنت تبحث عن التبرير اللازم لاستباحة جسده، وذاته؟

ما الوطن إن لم يكن حُضنًا، دِفءً، سَلامًا، أمَانًا، كَرامةً، حُبًا، تعاونًا، تسامحًا.. ما الوطن؟

ما الوطن ياعزيزي!

الوطن هو فَتَاة اعتلت مِنصة العلم والعمل، ولم يُنظر لساقيها عَارِيتين كانتا أو محجوبتين.

الوطن هو أن يَكون لـها مِقعد كريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد