يبدو أن الجيل الحالي من الشباب المصري كتب عليه أن يحافظ على ذاكرة حديدية تمكنه من التعامل مع سيل المعلومات والأخبار و”التسريبات”، وكُتِب أيضًا على شباب هذا الجيل أن يظلوا “أوفياء” ليس فقط لفريق نادي الزمالك ولكن يبدو أن الوفاء لكل الأندية بالإضافة إلى “المنتخب”.

ويجب أن نتذكر دماء الشهداء ونتذكر القضايا والتهم ونتذكر الأحداث والتواريخ وأيضاً علينا أن نتخلى عن “ذاكرة السمك” كما يقال عن المصريين، حتى نستطيع إكمال المسار والذي نحتاج إلى أن نذّكر أنفسنا به دوما لأنه تاه بين معالم الزمن.

لا أعرف ما هو الحال إذا كنا نعيش بلا “جوجل” و”اليوتيوب”. من الجميل أن تتحقق أحلام الإنسان حتى الخيالي منها، فأنا على سبيل المثال أثناء مرحلة الثانوية العامة فكرت في اختراع “حبر النمل السري” عن طريق تحلل أجساد النمل في الأنبوب وأيضاً “اكتشاف البترول من قشر البرتقال” وكانت التجربة في “كيس بلاستيك”.

كانت أحلام “طفولة” ولكن لم تتحقق، المدهش في الأمر أن تستمر أحلام الطفولة مع الإنسان حتى بعد أن يصبح رجلًا ناضجًا، والأدهش من ذلك أن ترى القوات المسلحة تدعم تلك الطفولة المتأخرة، ولكن هذا ما قد حدث فمع “اللواء عبد العاطي الفيرس هيكون من وجباتي”.

نعم هكذا أخبرنا اللواء دكتور مكلف/ إبراهيم عبد العاطي وهو يحدثنا عن حلمه والذي بدأه قبل 22 عاماً عندما اختطفته المخابرات المصرية، بعد أن عُرض عليه مبلغ 2 مليار دولار “دولااااااااااار” لأنه قام بالتأكيد على كلمة دولار في الفيديو، وذلك لكي يترك لهم اختراعه العبقري والذي يعتمد على “أخذ الفيرس من المريض ويحطه في صباع كفتة ويديهوله تاني”.

ويبدو أن التلفزيون المصري “مصدّق” وظل يبهرنا بالجهاز العبقري وتجاربه وإنجازاته حتى أن طموحات المصريين “شعب النظام” بمعنى أدق، علت في السماء لدرجة كدت معها أن أتصور أننا صعدنا للفضاء أو سيطرنا على طاقة “الجذب الكوني” التي تتقاتل عليها الدول في الخفاء.

طوال حياتي كنت أسمع عن معجزات علمية غيرت وجه البشرية “نظرية النسبية” أو مثلا “القنبلة الذرية”، أو “غاز الكميتريل” الذي يتحكم في حركة السحب والزلازل والأمطار، ولكن لم أكن أتخيل يومًا أن يتم تحويل الفيرس إلى “بروتين” ويصبح ذا فائدة لجسد المريض ويوضع في “صباع كفتة” ودي بقى “قمة الإعجاز العلمي” على حد وصفه.

حتى وأنا أكتب مقالًا ساخرًا لا أحتاج إلى استحداث كلمات ساخرة فيكفيني كلمات عالمنا الجليل، وعجبي.

من الواضح جدا أن دول العالم كان عليها أن تتصارع على هذا الجهاز العظيم ولكن مثل هذه “العبقريات” مكانها مصر، وشاءت الأقدار “التي يصنعها النظام” أن يسمى اختصاراً “سي سي دي”، تحت رعاية وزير الدفاع وقتها “السيسي”.

هنا تجد لعبة القدر في أسمى معانيها، اختراع ظل سراً لمدة 22 عاماً ليخرج إلى النور في فترة ازدهار “السيسي” والذي أصبح بعد ذلك “فريقًا ثم فريقًا أول ثم مشيرًا في ترقيات تاريخية” ثم رئيساً للجمهورية، وأيضا سخّرت اللغة الإنجليزية كل قواها لكي يكون الجهاز على اسم “الرجل الأول” في مصر آنذاك، والأول في مصر الآن فتجد أن الجهاز يسمى باللغة الإنجليزية: “complete cure device”، أي جهاز الشفاء التام.

الشفاء التام هو أمل كل المصابين بالتهاب الكبد الوبائي فايرس “سي” وكذا “الإيدز”، إلى جانب أن إحدى مساعدات اللواء عبد العاطي خرجت علينا في أحد البرامج والذي تقدمه الممثلة سابقاً والإعلامية وقتها “صابرين” لتؤكد أنه يعالج أيضا السرطان ويعالج السكر، بخلاف أن نسبة شفاء المرض وصلت إلى 100 % والنسبة في حد ذاتها تاريخية.

أعتقد أنه يجب الترويج لهذا الجهاز على مجموعة القنوات الفضائية التي تروح “لشاي دكتور مينج الصيني” و”أجهزة التخسيس” و”كريم إعادة الشعر اللي راح” وخلافه تحت عنوان “خلطة عبد العاطي هتخلي الكفتة حياتي” مثلا، أشعر بحالة من التآلف بين الاختراع والقنوات.

من معجزات الجهاز أيضاً حسب حوار اللواء عبد العاطي في برنامج “يحدث في مصر” واللي مش ممكن تتوافر إلا في حاجتين بس “الحيوانات” وجهاز اللواء عبد العاطي «جهاز السي فاست والآي فاست بمجرد ما بيلاقي إشارة للفيروس بيتحرك معاها، فلو مريض ماسك منديل “كلينكس” وهو يحمل الفيروس، وأنا مسكت المنديل مشيته قدام الجهاز يجري ورايا، دي من خوارج الجسم، عرق أو لعاب وغيره فأنا لو مسكت المنديل رميته في القمامة وحطيت صوباعي اللي مسكت بيه المنديل “الكلينكس” قدام الجهاز يجري ورايا، لازم أطهر إيدي من الفيروس تماما».

تم قبول الجهاز الكاشف عن المرض والجهاز المعالج للمرض من قبل وزارة الصحة المصرية، كما أعلنت القوات المسلحة عن بدء العلاج بالجهاز في 30 – 6- 2014 إلا أنها تراجعت عن ذلك للأمانة العلمية” على حد قولهم “وتم تأجيل العلاج بالجهاز لمدة 6 أشهر، إذ يفترض أن يبدأ العلاج بالجهاز يوم 30 – 12 – 2014.

ها نحن ننتظر الأمل المصري والعالمي بظهور أول “جهاز كفتة” في العالم يساعد على الاكتشاف المبكر للمرض وعلاجه ولكن الجدير بالذكر أن الحكومة المصرية تعاقدت على علاج “أميركي” لعلاج فيرس سي يدعى “سوفالدي”، ولكن سنعتبرهذا العلاج “تصبيرة” ومنتظرين الكبيرة.

السؤال المهم هنا على الرغم من الأزمات العاصفة والتي هبت على النظام الحالي من “البراءات” وكذا “التسريبات” كان من الحري بالنظام الحالي أن يبدأ في توجيه ماكينته الإعلامية للترويج لهذا الجهاز العبقري لتعود الساحة إلى السخرية.

وتخرج الآمال على السطح وتبدأ عمليات الشد والجذب حول وجود الجهاز من عدمه ويُنسى الواقع بدلاً من “وفاة مبارك” التي تروج دائماً كل ما يحتاج النظام إلى أي أداة إلهاء ولكن يمكن أن نعتبرها “سقطة إعلامية”.

الأقلية “الشعب الحر” تتوقع عدم وجود جهاز من الأساس، وأعتقد أننا سنكتشف في النهاية أنها لعبة قامت بها الدولة المصرية “بحرفية” شديدة، جمعت بين خفة الدم المصري والذكاء الأمني لعملية “الخداع الكبرى” لتصدير مشهد “لأمريكا والدول المتقدمة” بأن مصر يمكنها علاج الفير.

وبالتالي ستفقد شركات الأدوية الأمريكية سوقًا كبيرة مثل السوق المصري المصنف بأعلى نسبة إصابة بفيرس “سي” فتحصل مصر على العقار بسعر أقل من السعر العالمي يصل إلى ” 1% ” من ثمن العقار، وما يبرر وجهة النظر تلك أنه في 12 مارس 2014 أعلنت وزارة الصحة المصرية عن نجاحها في إجراء صفقة “تاريخية” لتوفير علاج أمريكي كما قال الدكتور عادل عدوي، وزير الصحة والسكان، في تصريحات للمصري اليوم في 14 مايو الماضي، بشأن الجدل الدائر حول تعطيل إجراءات تسجيل عقار “سوفالدي” الأمريكي، والذي حصلت عليه الوزارة بسعر يعادل ” 1% ” من سعره العالمي، وأكد أنه كلف المسؤولين في إدارة التسجيل الدوائي بسرعة الانتهاء من تسجيل العقار تمهيداً لطرحه بالسوق الدوائية المصرية (1).

وإن حدث التوقع الأخير ينقصنا موسيقى مسلسل “رأفت الهجان” ونعود لحالة من الشجن الجميل “عملوها الوحوش”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد