العزلة أن تخلو بنفسك بعيدًا عن كل ملهيات الحياة، أن تكون بينك وبين نفسك تحاسبها وتتدبر أمرها، هذا في معناها العام، لكن العزلة التي نلجأ إليها عادة ما هي إلا هروب من الواقع ومما يفرضه علينا من شخصيات ومظاهر وأفعال باتت تؤرقنا يومًا بعد يومًا، أن تلجأ إلى العزلة قد يكون خيارًا مدروسًا مسبقًاا لترتاح وتفكر فيما قدمته وما ستقدمه مستقبلًا في هذه الحياة، كما قد يكون فعلًا لا إراديًا تستيقظ ذات صباح ونفسك مرهقة بما ستفعله اليوم وما يجب عليك تقديمه للعائلة للعمل للمجتمع وقبلها ما لم تقدمه لله عز وجل.

ذات صباح قررت أن لا أفتح أيًا من حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي حتى لا أشاهد ردود الفعل لواقعة حدث في ليلة سابقة، حيث أقيمت حفلة غنائية لأحد الفنانين الجزائريين المغتربين في الخارج وبعد أول ظهور له في بلده بعد سنوات من التغرب وقعت كارثة إنسانية وأخلاقية لم يعرفها المجتمع الجزائري منذ سنوات، كارثة إنسانية راح ضحيتها بعض الشباب المراهق نتيجة للتدافع والحشود الكبيرة التي هبت من كل ربوع الوطن لمشاهدة فنانهم الأول، لكن لا أحد كان يتوقع أن ينتهي الحفل بمأساة ووفيات، أما الكارثة الأخلاقية التي حلت علينا ترتبط بكوننا شعوب القرارات والإفتاء، خاصة ما ارتبط الأمر بقرار من يدخل الجنة ومن أهل النار، الغريب أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تظهرنا على حقيقتنا مهما حاولنا فهم سلوك فرد معين إلا أننا نعجز في ذلك.

عجزت عن فتح حساباتي لأنني في غنى عن معرفة آراء الناس ومواقفهم تجاه هذه المأساة، رغم ذلك وصلتني بعض الأفكار والتصورات من العائلة والأصدقاء بأن فئة كبيرة تشمت في هؤلاء الموتى، وحتى لا تترحم عليهم، أو بعبارة جزائرية «الشفاية أكتر من العزاية»، فقط أتساءل: هل من أخلاقنا وديننا الحنيف ما يسمح بذلك؟ هل ستكون ردة فعلنا إن حدث ما حدث لأحد من عائلتنا أو أصدقائنا؟ مع العلم أن أغلب أغاني الفنان تسمع من قبل الشعب الجزائري ككل، فما الفرق بين من يستمع ومن يحضر بجسده للاستماع، لست بصدد الإفتاء لأنني لست أهلًا لذلك، لكن إن كان لنا شيء في هذه الحياة، فعلى الأقل أن نقول كلام طيبًا أو لنصمت ونحمل نفوسنا أوزارًا لا طاقة لنا بها.

كانت هذه الحادثة كفيلة بأن أبتعد عن كل ما له علاقة بالموضوع من قريب أو بعيد، ربما هذا الحدث مجرد سبب وفقط، أو القطرة التي أفاضت الكأس لأن النفس متعبة مسبقًا ولا تستطع أن تتحمل ما هو أكثر، نفوسنا تعبت من اللاشيء للأسف، ليتنا تعبنا فيما يستحق في مشاريع عملاقة تدخلنا للتاريخ، أو دراسة نقدم بها علمًا نافعًا، أو حتى في تربية الأولاد وتحمل مسؤولية العائلة وما تفرضه من التزامات، نفوسنا تعبت ونحن بلا جدوى تذكر، وكم هو متعب أن تكون إنسانًا بلا معنى، بلا هدف، أو حتى بلا رفقة ترفع من معنوياتك وتدعمك، كانت هذه العدم الجدوى كفيلة بأن تجعلك تتقوقع على نفسك وتبتعد قليلًا لتعيد التفكير من جديد، لكن هذا الابتعاد لن يجدي إلا إذا شغلت نفسك بأمور أخرى كما يقول طارق سويدان في أحد دروسه لقوانين النجومية العشرة: يحتاج النجم إلى العزلة أحيانًا ليتعلم المزيد من المهارات ومراجعة نيته ومساره وخططه ليعطي المزيد.

بعدما تشعر بثقل في نفسك وأنك في دوامة من التفاهات اليومية والتي سببها الأول والمباشر مواقع التواصل الاجتماعي، يا إلهي كم تلقي هذه المواقع من زيف ومن خداع يومي لعقولنا، تشعرك بأنك الوحيد المنتهية صلاحيته في هذه الحياة، ترى من يسافر وكل يوم في بلاد جديدة وأنت قابع في بيتك بين أربعة جدران، وتظهر مشاعر الحب والرومانسية بين الرجل والمرأة ومدى اعتزاز كل واحد منهما بالآخر، تجمع بين الأصدقاء والآلاف من الأحباب في حين أنه لا واحد منهما يلتقي بالآخر مرة واحدة في الشهر على الأقل، يصور لك الفضاء الأزرق أن الكل يعيش حياة مثالية إلا أنت، تعاني في صمت، لكن وراء هذه الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية أشخاص يظهرون عكس ما يعيشونه، أو على الأقل لا يظهرون الجانب السلبي من حياتهم فقط لم نر ذلك، لأن الحياة المثالية التي يتغنى بها هؤلاء لا يمكن أن تكون في الحياة الدنيا، وذلك لقوله تعالى في سورة البلد بعد بسم الله الرحمن الرحيم: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ. وأصل كلمة كبد أي في شدة وعناء من مكايد الحياة.

صحيح أن الحياة تعب وعناء، لكن حتمًا هناك سبيلًا للعيش فيها براحة وطمأنينة، فبعدما تشتد عليك الظروف وتظهر عليك علامات الإرهاق النفسي والجسدي وحتى العقلي، بعدما يصعب نومك ويطول أرقك في الليل، وحين تفقد ثقتك في كل من هم بقربك، وبعدما يخذلك الحبيب ويستغني عنك الرفيق والصديق، يومها فقط ستدرك أنم ضائع، وأن الملجأ الوحيد في هذه الحياة هو الله جل جلاله.

تأكد أنه بعد كل الصراعات النفسية التي تعيشها ومرارة الأيام التي تشعر بها ستختفي تدريجيًا وأنت في سبيل التقرب من الله، بعدما يخذلك الجميع ستشعر بحاجة كبيرة في نفسك لسند يقويك لمن يستمع لك في ظلمات اليل، لمن تناجيه فلا يقاطعك ولا يقول لك بأنك مخطئ، عندما يضيق بك الصباح ستنتظر الليل بفارغ الشوق لتخبر ربك بأنك متعب وأن نفسك لم تعد تحتمل بعد، تخبره بأنك عدت من جديد فهلا تقبلتني يا رب، ستعرف أن الراحلة، بل كل الراحة في دموعك التي تنساب بغزارة وأنت تكرر قولك يا رب يا رب يا رب، ستخلق علاقة جديدة تشعرك بالأمان والاطمئنان، وفي كل مرة تدعو الله بيقين تدرك أنه الوحيد الذي لن يردك خائبًا، وإن الدعاء يغير الأقدار، ستعلم جيدًّا أنه الرحيم على عباده وأنه سبحانه قال في سورة البقرة بعد بسم الله الرحمن الرحيم: اذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. ستشعرك هذه الآية وغيرها من الآيات القرآنية بأن الله أقرب إلينا من أي أحد فقط لنسلم أمرنا إليه وأن نعود إليه لتطيب لنا الحياة من جديد.

ستجعل كل ليلة من أيام العزلة خلوة مع الله تخبره بعدد الأيام التي بكيت فيها ولم يسمعك أحد غيره، وكم من الابتسامات مرت على محياك وفي قلبك ألم وغضة من عدم مبالاة أصحابها، وكم وعود قدمت لك بالبقاء والاستمرار في هذه الحياة وبمجرد أن ابتسمت لهم الحياة خيبت الظنون، بل مرو عليك مرور الكرام، كم من تضحيات قدمتها لأشخاص مقربين منك من باب القرابة وكذلك الصداقة وطعنوك في أول فرصة لهم، كم تألمنا يا الله ولم يعلم بحالنا غيرك.

لا يمكن وصف ساعات الراحة بعد كل خلوة مع الله وأخباره بكل ما في قلبك رغم أنك تعلم يقينا بانه يعلم بكل شيء مسبقًا، تمر كل ليلة وتحتاج للتقرب أكثر من الله لتشعر نفسك بأنك في الطريق الصحيح فتتقرب منه بأحب الأعمال إليه كالمحافظة على الصلاة في وقتها وتدبر في كتابه الكريم وكنصيحة إن أردت أن يكون القرآن رفيقك ولك ورد في كل يوم أجعله قريب منك (ضع المصحف الكريم إلى جوار سجادتك، وبعدما تفرغ من الصلاة تجده بجوارك فتقرأ منه ما تيسر)، وأن تساعد محتاجًا فتشعر بأن الله جعلك سببًا لمساعدة غيرك، وفي الأصل أنت من تحتاج إلى مساعدة غيرك، سواء بصدقة، أو زكاة، أو بكلمة طيبة، وعمل صادق، هذه الخلوة التي لا يراك فيها إلا الله، ولا تستمع فيها لحديث أي بشر، إنها من أطهر العلاقات بين العبد وربه، فتحاول جاهدًا أن لا تنقطع وأن تستمر لأيام وأشهر أخرى، هذه الخلوة ستجعلك تعيد البحث من جديد في مختلف كتب الحياة والعبادات، ولعل كتابًا واحدًا في هذه الفترة يعلمك ما عجزت المدارس والجامعات عن تعليمه لك خلال سنوات، وذلك ما حدث مع كتاب «أربعون» للشقيري.

الشقيري في كتابه «أربعون» والصادر سنة 2018 يقول إن الارتقاء الروحي وتحسين الصلة بالله لا يأتيان إلا بممارسة خلوة مع النفس، قطع الشقيري علاقته بالأشخاص (ترك فقط وسيلة تواصل مع زوجته ووالده وكذلك مدير أعماله تحسبًا لحدوث طارئ ما)، بعيدًا عن كل وسائل التواصل الاجتماعي وغادر إلى جزيرة تكاد تكون منعزلة، تغيب عنها عن كل مظاهر الحياة العصرية، كتاب الشقيري يأخذك في رحلة من التفكير والتعقل وأغلب ملامح الحياة اليومية للفرد، هذه الرحلة ليست لفهم ما يدور في الحياة، بل ما يدور في نفسك، وما ينبغي عليك إدراكه، أن تبدأ دراسة الحياة من نفسك من أفكارك ومن مبادئك وحتى شعاراتك اليومية في الواقع وعلى المواقع.

يقول الشقيري إن من شروط العزلة أن تختلي بنفسك في مكان بعيد نوعا ما ولمدة زمنية معينة، فاختار مدة 40 يومًا لما لها من دلالات، أولها الدينية لأن العدد 40 مذكور في القرآن الكريم في كثر من الآيات القرآنية والمناسبات، كما أن سنة 42 وهو العمر المثالي ليقيم الإنسان ما قدمه في ما سبق وما سيقدمه مستقبلًا، عزلة الشقيري امتزجت بالجانب الروحاني إذ يقول بأنه ولمدة 40 يومًا كان صائمًا متعبدًا لله في صلاته وقراءته للقران الكريم، وربما الأمر مرتبط بحاجته للراحة النفسية وحتى الجسدية بعد ما قدمه من تجارب قيمة في تجربته خواطر، إذ وصف الشقيري حالته بعدما انتهى من برنامجه وجد نفسه بلا جدوى إذ إن البرنامج كان يحوز على كامل وقته، إن الفراغ يولد البؤس.

أما على الجانب العملي فكان له أن يقيم ما قدمه من قبل، والتخطط من جديد لما سيقدمه من مشاريع في المستقبل، إن 40 يومًا كانت كفيلة بإعادة توجيه الشقيري لما قدمه وسيقدمه مستقبلًا، الأكيد أن كل واحد منا يحتاج لعزلة، أن يختلي بنفسه، ولا يهم عدد الأيام بقدر ما يهم، كيف نقضي وفيما نقضي هذه الأيام والساعات، كيف نعيد تفكيرنا من جديد أن نقيم ما سبق وما ينفعنا وما يؤلمنا في هذه الحياة، أن نعرف أن الطريق الوحيد للراحة والطمأنينة ترك ما بيد الخلق والرجوع إلى الخالق، أن نقتنع بما نملك ونسعى لتطويره من خلال التعلم واكتساب مهارات جديدة، أن نعيش حياة كما نريدها لا كما ينبغي أن يريدها باقي البشر، وأنه مهما ضاق علينا هذا الكون فإن لنا ربًا ينجينا.

الأكيد أن العزلة طيب للنفس، وفرح للقلب، وقرب من الله عز وجل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات