في الماضي.. عندما كنا صغارًا ونشاهد موجة الأفلام التي انتشرت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول)، أمثال الطريق إلى إيلات وغيرها من الأفلام التي تُلهب حماسنا، والأناشيد الوطنية التي كانت تذاع كل عام من شهر أكتوبر، وفي ذكرى تحرير سيناء، وما بثه الإعلام فينا من حب الوطن والجيش المصري.

كنا حينها صغارًا وارتفع بنا سقف الأماني للسماء، وتمنينا لو ننال شرف أن نكون أفرادًا من هؤلاء الرجال العظام، ونلتحق بهذا الجيش الذي يحافظ على شعبه ويحمي دينه وعرضه وأرضه.

ومرّ عامٌ بعد عام وبدأنا نواكب الأحداث، ويتوسع أُفقنا ونفهم مجريات الأمور على حقيقتها، ونكتشف أنها لم تكن كما رأينا في الصغر! بمجئ ثورة يناير (كانون الثاني).. حينها بدأ الإدراك والوعي بالنضوج حتى بدأت تتساقط الأقنعة واحدةً تلو الآخرى، وتُكشف لنا الأمور بكل وضوح، وأدركنا أن جيش أكتوبر قد انتهى بنهاية الحرب، والجيش الذي تحدثوا عنه في الدراما والقنوات الفضائية لم يعد موجودًا، وأحلّ مكانه نوع جديد، ولكنه بنفس المسمى!

فأصبح الجيش جهة اقتصادية وسياسية تتدخل في جلّ الشئون الداخلية، وانتشر قادته في كل الجهات المدنية للدولة مسيطرين على كل شيء، وخدعوا أبناء يناير وفرقوا شملهم، وساعد وساند الكثير منهم على اعتقالهم وقتلهم.

بعد كل ما رأيناه بأعيننا من تحقير للجنس البشري والاستخفاف بأرواحهم يطلبوا منا أن ننضم لساحتهم الملعونة بالدماء، لذلك بات في عقولنا أن التجنيد شيء مقزز بالنسبة لنا نحن الشباب، فهم قد سلبوا منا الانتماء للجيش كما يسمونه.

حتى أصبح التجنيد بالنسبة لنا هو يوم النكسة، والتأجيل هو الاستنزاف، والإعفاء هو يوم النصر. ولكن قد جعلوه أمر إجباري لا بدّ منه قسرًا على الشباب؛ وإن امتنعنا عن تأدية الخدمة العسكرية لم يكن لنا الحق في أي شيء، فإن أردنا أن نهاجر فلا بدّ من وجود شهادة الخدمة، وإن أردنا البقاء والعمل في هذا الوطن فلا بدّ من وجودها أيضًا!

وفي الحقيقة أن التجنيد الإجباري من وجهة نظري يعُد إجرامًا؛ وذلك لأن الأساس الذي يقوم عليه خاطئ، وهو الإجبار والإلزام رغمًا عنّا، والاستهتار بإرادتنا، وحقنا في الاختيار، وما بني على باطل فهو باطل.. فهذا الإجبار بُني على استلاب حريتنا.

لذلك نحن الفئة الأكثر تضررًا منه، وما هو إلا أنه امتهان لإنسانيتنا، والحق لنا أن نعيش أحرار، ونستكمل مسيرتنا في المجال الذي نختاره، وكلٍ منا يخدم وطنه بالشكل الذي يُريده. وأدركنا أن تجنيدنا لا لدفاع عن أرض، فقد أضاعوا الأرض وباعوها، ولا دفاعًا عن دين فجعلوه في أدنى خططهم وانتهكوه، ولا دفاعًا عن عِرض فكرامتنا مهدورة.

وأصبح تجنيدنا شبيهًا بالعمالة.. نعمل لتحقيق الربح للجيش بلا أجر، وينفصل اقصاد الجيش عن اقتصاد الدولة؛ لذلك أصبح الكثير منا يلجأ إلى اتباع شتى الوسائل والحيل للتخلص منه، لإيجاد مخرج من هذا المأزق للحصول الإعفاء؛ لاستكمال مسار حياته بعد إنهاء دراسته دون ضياع عامًا يمارس فيه اللاشيء.
ومنا من يبحث على أحد الرُتب داخل الجيش؛ ليعطيه مبلغ من المال لمحاولة إعفاءه.

ومنّا من يدعو اللّه أن يبتليه بسقم، أو يقوم بإيذاء نفسه حتى يحصل على إعفاء صحيًا. لا أتحدث بلسان كل الشباب، ولكن مما رأيته بعيني، فقد تملك الخوف منهم بسبب هذا النظام، ولكن لسان حالهم يقول:

إن أردتم تجنيدنا فأعيدوا لنا ما سلبتموه، أعيدوا لنا كرامتنا وحريتنا في الاختيار أعيدوا لنا جيشًا يحافظ على الوطن لا يبيع أرضه، يحافظ على الشعب لا يحافظ على السُلطة، يحافظ على الدين لا منشغلًا بالسياسة والاقتصاد. أعيدوا لنا جيشًا يكون العدو الأول له بني صهيون، لا جيشًا أصبح عدوه بلادٍ إسلامية وعربية، تحت مسمى بلاد محظورة! وبني صهيون هم الأشقاء والأصدقاء. أعيدوا لنا كرامتنا والاعتزاز بالانتماء لهذا الكيان، أو اتركونا نُكمِل مسار حياتنا وافعلوا ما شئتم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد