لكي تحكم أي بلد فلا بد أن يكون لديك مؤهلات لذلك كالحكمة والتعقل في الأمور، وحسن السياسة والقوة، لكن ليس هذا دائمًا أساس وصول الجميع للسلطة، خاصةً إذا وُجد صراع حول تلك السلطة وكانت هناك حاجة لسد فراغ ما حتى تترتب الأمور من جديد.

الآمر بأحكام الله الفاطمي

لم يكن الآمر ولي عهد الخلافة الفاطمية، ولكن كان يملك من المؤهلات ما جعله الخليفة، ولم تكن تلك المؤهلات سوى صغر السن والضعف، ذلك الضعف الذي يسمح للخليفة غير المتوج بالحكم من وراء الستار، والخليفة غير المتوج هو الأفضل ابن بدر الجمالي، الذي كان يدير شئون الدولة، وإذا جاء ولي العهد الرسمي الأمير نزار للحكم فمعنى ذلك أن يتزعزع سلطان الأفضل لذلك كان لا بد أن يجلس خليفة ضعيف لكي يحكم الأفضل كما يشاء، لكن دوام الحال من المحال فالصغير كبر وصار يافعًا وأدرك أنه الخليفة الذي من المفترض أن يكون هو الحاكم الفعلي للبلاد، لكن خصمه الأفضل عنيد قوي ولا بد من التخلص منه، وهنا تمكن الآمر من تدبير مؤامرة لاغتيال وزيره الذي أجلسه على العرش ليصبح هو الآمر في ملك آبائه.

صلاح الدين الأيوبي

ذلك البطل المغوار الذي ظل رمز البطولة في عالمنا العربي إلى الآن، لم يصل لسدة الحكم لقوته ولا حكمته ولا حسن تدبيره بل كان مؤهله للوصول إلى السلطة هو ضعفه وقلة أنصاره.

عندما ضعفت الدولة الفاطمية وأصبح يدير الأمر فيها الوزراء، ومع تدهور مركز مصر وسط الدول القوية الناشئة حولها ودسائس القصور الفاطمية تأرجح منصب الوزارة بين اثنين هما شاور وضرغام، وقد لجأ الاثنان إلى قوة خارجية لدعم موقفهما بصرف النظر عن الداخل المصري؛ فاستعان أحدهما بالفرنجة واستعان الآخر بنور الدين محمود الذي بادر لحماية مصر من خطر دخول الفرنجة إليها، وأرسل جيشًا على رأسه الأمير شيركوه -عم صلاح الدين- واستطاع شيركوه بالفعل ضبط الأمور والحفاظ على النظام وحماية مصر، ومن ثم تولى الوزارة أي أنه أصبح الحاكم الفعلي لمصر لكن فجأة توفي شيركوه ليبدأ الأمراء الشاميون -وعلى رأسهم محمود الحارمي خال صلاح الدين- في الحلم بمنصب الوزارة، لكن الخليفة العاضد الفاطمي كان له رأي آخر، فقد قرر أن يستعيد أمجاد أجداده ولكي يحدث ذلك لا بد أن يختار وزيرًا ضعيفًا، ووقع اختياره على صلاح الدين فهو ضعيف لا شوكة له، وبذلك يصبح في ولايته مستضعفًا ولا يقدر على المخالفة، وبالفعل تولى الضعيف الوزارة ولم يلتفت إليه أمراء الشام حتى أن أحدهم قال :أنا لا أخدم يوسف أبدًا.

لكن يوسف استطاع بمساعدة البعض أن يستميل هؤلاء الأمراء إلى جانبه واحدًا تلو الآخر وبدون إزعاج أو ضوضاء قوي على الخلافة الفاطمية وأصبح هو صاحب الأمر والنهي في مصر وبدأ مشوار كفاحه لتحرير بيت المقدس.

عز الدين أيبك

بعد قتل تورنشاه الأيوبي جلست امرأة على عرش مصر في سابقة هي الأولى من نوعها في العصور الإسلامية، وهذا ما استثار خليفة بغداد فأرسل رسالته الشهيرة «إن كانت الرجال عدمت عندكم فأرسلوا لنا نبعث لكم رجلًا». وهنا بدأ البحث عن رجل ليرضى عنه خليفة بغداد ويستتب الأمر، خاصةً وأن أمراء بني أيوب في الشام بدأوا التحرك لاسترداد مصر لحوزتهم لكن مع وجود أمراء أقوياء يتصارعون على السلطة لم يكن الوقت ليخدمهم؛ فبادروا لحل الستار: يجلس أحد الضعفاء على العرش حتى إذا أستطاع أحد هؤلاء الأقوياء حسم الصراع له أزاح ذلك الضعيف وأصبح السلطان ووقع الاختيار على أيبك لأنه كما قالوا: «من أوسط الأمراء متى أردنا صرفه صرفناه لعدم شوكته».

وبالفعل تولى أيبك السلطنة وهو يسمع الأمراء ويطيعهم لكن ما لبث أيبك أن أثبت مهارته الحربية عندما انتصر على قوات الناصر يوسف صاحب دمشق الذي جاء لغزو مصر، وكان من نتيجة ذلك النصر أن أقر الناصر بحكم المماليك لمصر وغزة والقدس، وهنا انتهى الخطر الخارجي وعاد أيبك يلتفت للأمراء وعلى رأسهم أقطاي الذي استطاع أيبك وببساطة اغتياله، وأطاعه باقي الأمراء وأصبح صاحب السلطان اسمًا وفعلًا.

تلك الأمثلة التي ضربناها ليست هي الوحيدة لكن ما يربط بينها أمران: الأول أنهم جاؤوا إلى الحكم لضعفهم، والأمر الآخر أنهم بعد ذلك قضوا على خصموهم وأصبحوا الحكام الحقيقيين، فهل كان وراء ضعفهم منذ البداية قوة لم يرها الآخرون أم أنهم استمدوا قوتهم من العرش الذي يمنح صاحبه القوة أمام الناس، ربما كان  الأمران صحيحين، فلكل شخص مواهب مدفونة لا يعرفها غيره، بل ربما لا يعرفها هو نفسه، وأيضًا للسلطة بريقها الذي يحرك صاحبها للدفاع عنها ضد كل من يحاول أن يسلبه عظمته حتى لو كانت عظمة اسمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد