لابد للفاشل دائما من شماعة يعلق عليها فشله، وآمال أشبه بالخيال ينتظرها لنجدته من موقفه الحرج، بدلًا من الاعتراف بالخطأ ليسلك طريق الصواب، وهو بين أمرين إما لازمة نحو البقاء ثم استعادة الأنفاس كما حدث مع الإخوان بعد انقلاب 3 يوليو مباشرة من انتظار صحوة قائد الجيش الثاني الميداني وأن الانقلاب يترنح .. وفي الحقيقة أن هذه الأكاذيب كانت سببًا في التعلق بأمل كان له الدور في التحول نحو طريق الثورة الحالي، فالصدمات المتتالية لا تعطي إلا نتيجة معاكسة .. فالانتحار سببه فقد الأمل وعلو الضغط عن معدل التحمل! ولكن ليست الأكاذيب تلك التي تقود الثورة، قد تبقى محطات لاستيعاب الصدمة ثم لابد أن تأخذ الثورة طريقها الصحيح!

وإذ نستعيد ذكريات الثورة فإن الشماعات لا تكاد تخلو منها، والخيال يصاحب أقوالنا .. والتهرب من إعلان الفشل أبرز ما يُحكى! كلنا نحكي في دائرة مغلقة بأن الثورة سرقت يوم الحادي عشر من فبراير وأن طريق استرجاع الثورة يستلزم بنا العودة ليوم التنحي، وإننا نتباكى بقولنا ياليتنا أطعنا أبو إسماعيل وظللنا في الميادين .. ولكننا لم نفند حقيقة هذا الأمر، لأننا وببساطة لا نريد أن نعلم، نريد ثوابت نعود لها حين نفقد الأمل، نريد أصناما نلجأ للبكاء عندها .. فماذا لو ظللنا في الشوارع يوم الحادي عشر؟!

فأين كنا وأين كانوا؟! كنا نثور على شخص مبارك وفرحنا لرحيله، ولم تكن المعركة أصلا مع مبارك، وإنما اكتشفنا أن الصراع مع الجيش!!

نعم ذلك الانتصار الذي فرحنا به لم يكن ينازع العدو الحقيقي .. بل انتصار على الصورة التي وضعها العدو!! فماذا لو ظللنا في الميادين يومها وأتبعناه أياما، هل كنا لنثور على الذي نهب الوطن .. أم كنا لنطلب بعضا من المطالب في نفس الصورة التي وجهنا لها؟!

هل أدرك أبو إسماعيل يومها حقيقة الصراع!! هل ننسى حالنا يومها من عدم الوعي والإدراك، لسنا نحن وفقط، بل القيادات التي ظنناها تحرك المشهد!! ماذا لو وعينا للسيناريو الذي رسمه لنا العساكر صدفة بلا إدراك؟! لا شيء .. سيتغير السيناريو وتبقى الصورة التي قامت عليها الثورة!!

فمتى نحطم صنم العودة ليوم التنحي .. متى نحطم أفكار العودة للتحرير واستعادة الـ 18 يومًا!

لا أحد يتمنى أن تنجح الثورات بعد آلاف الدماء ومئات الآلاف من المصابين، بل كلنا يتمنى النجاح دون قطرة دم! ولكن: لولا تكاليف الثورة لثار الناس كلهم! إن التغيير لابد له من عناء ومشقة، ولا بد له من أثمان تدفع .. لذا فأغلبية الشعوب ترى الأنظمة تنهب وتسرق خيراتها ولكنهم لما علموا من مشقة الثورة فضلوا الركون نحو السارق فإما من باقي خيره يسترزقون، أو من شره يسلمون!

وما أسهل أن يقوم الطاغية بمذابح لأبناء شعبه بغطاء شعبي أيضا، ومن يطلق عليهم الرصاص أيضا من أبناء الشعب! فمن يراهن على وعي الشعوب، أو يحول معركة الثورة نحو معركة للوعي لن يكون النجاح مسلكه! فإن معرفة الحق وحدها لا تقود ثورة، ولا حتى تجعل الثورة تسلم شر من علم .. فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المنزل بالوحي، الذي لا ينطق عن الهوى، الذي كلامه الصواب الذي لا يحتمل إلا الصواب، كان النزاع بالسيف من الطرق نحو إقامة دولته بالمدينة ونشر الإسلام!

فما بال آرائنا التي تحتمل الصواب والخطأ؟!
إن اليأس قد أصاب الكثير، ومن لم يدخل اليأس شرايينه دخل العجز بديلا! ما كثرت الأصنام التي نبكي لها إلا بعدما زاد اليأس! وهو حق: لمن قام بثورة ثم سرقت أمام عينيه! إن لم نقل أنه كان جزءا من ثورة قام بها الجيش على مبارك وكنا وقودها الثائر – على أغلب الروايات إقناعا – لكنه قد يتغير الأمر حينما نعلم الصراع وحقيقته، فإن الذي ظهر من تجربة الثورة إنما يحكي بين فارق بين الواقع النظري والواقع العملي كما بين السماء والأرض، وما بين السماء والأرض هي الفجوة التي عشناها .. فإنه كان واجبا أن تأتي خطوة الثورة التي قادتنا نحو مباشرة العدو نظريا وعمليا بعد أن كنا نسبح على الشاطئ!!

فلو ظللنا أعواما ننظر لم نكن لنصل لحقيقة الصراع ! كنا نتبنى الوعي للتغيير، وبعد أن قدمت لنا الثورة، وبعد أن نظرت القيادات عن حقيقة الجيش وسرقته للشعوب ونهبه قالت قيادات الثورة “الجيش حمى الثورة!” إن قالها قيادات الإسلاميين، فلقد تبنى المقولة كل من شارك في الثورة بكل الفئات! فكيف نبني على وعي ودعاة الوعي لا يعرفون القضية!
لن تتقدم الثورة للأمام إلا بتحطيم الشماعات، وبنسيان فكرة التحرير وإعادة الأمجاد!! وإن الواقع لا يدعو لليأس مطلقا .. فلننظر في حقيقة الأمر وفي أربع سنوات تحولنا من راضخين للذل إلى ثائرين على صورة وضعها العدو، ثم إننا اليوم نثور على العدو الذي سرق الوطن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد