عادةً ما يذهب الكُتاب للتمهيد للقارئ والتلخيص التاريخي للموضوع حتى يضع الأخير في سياق المقال لتسهيل الفهم والاستدلال، لكن موضوع اليوم لا يحتاج الى التلخيص أو ذكر المحددات التي تؤطره، فكلنا عشنا هذه التجربة وكل يوم نعيشها في مسلسل طالت فصوله واستمتعنا بدور البطل فيه، مسلسل اليوم هو «جلد الذات».
تَعُج أيامنا بنماذج جلد الذات التي لا تُعد ولا تُحصى في مختلف مجالات الحياة من السياسة والتعليم إلى الحب وإدارة الاسرة وإعداد الطعام حتى، ففي السياسة محكمة فيدرالية توقف قرارت الرئيس ترامب لمخالفتها الدستور وبالفعل كافة الدوائر نفذت فورا قرار المحكمة، بينما في بلادنا لم تحدث ولو حادثة واحدة مشابهة فالرئيس لدينا هو «المحكمة والحاكم والحكم الجاهز مسبقا» وهو الدستور حتى وصل به الحال الى أن يتدخل في حالات الطلاق وتشريعاتها وفي هذا النموذج نقول انظر لحالنا وانظر إليهم.
وفي التعليم سواء في طبيعة وجهوزية المعلم أو المؤسسة التعليمية «مرافق ومستلزمات» نصطدم أيضًا بالمفارقة المعتادة انظر إلينا وانظر إليهم، وما يزيد الجرح مضاضة أننا حتى في الحب والهيام نتنكر لأنفسنا ونجلدها حتى باتت قصص الحب الغربية هي ذلك النموذج (الزاهد العامر بالقناعة دون ماديات) كما يُقَدمه الاعلام لنا، أصبح هو الهدف الذي نحلم به ممتشقين عبارة أريد فتاة تحبني لنفسي لا لأموالي والإناث تريد ذلك الزاهد (جون أو مياكل أو وليام) المخلص الحنون الذي بالكاد يجد الوقت لمواعدة فتاته، ولا جديد في خاتمة هذه النموذج فنقول «نحن وهم» وهكذا دواليك.
المُجالد هو مصارع يقاتل حتى الموت ضد المجالدين الآخرين في حلبة تُعرف بالصالة وقد اشتهرت هذه اللعبة الدموية في زمن الجمهورية الرومانية والإمبراطورية الرومانية؛ علماً أن المجالد قد يكون عبد أو شخص محكوم عليه بالإعدام أو من المجرمين المُدانين، وفي حلبة اليوم فإن الصالة هي الوطن العربي والمجالد هو الإنسان العربي والضحية هي النفس العربي «النموذج العربي».
في خضم هذه المعركة تجد الضحية «النفس العربية» وحيدة دون من يحميها أمام هذا السيل الجارف فقد «جلدوها دون رحمة»، النفس العربية هي الجانب النفسي الذي يسكننا «أرواحنا» وهي أيضا النموذج والأطر المعرفية السابقة لدينا «البراديغمات» إضافة الى أسس المعرفة ونطاقها وصولا إلى كيفية الحصول عليها ومن ثم تفسيرها، حالة الجلد ووجود أسس المعرفة ما هي إلا تناقض صارخ مثل الثنائي «أبيض وأسود» إذ كيف يجتمعان في أمة واحدة؟
إجابة هذا السؤال تتشعب منها ما هو رداءة النظام السياسي وغيرها تعتمد نظرية ابن خلدون «المغلوب مولع بتقليد الغالب» وأخرى تُعلل الحال بتوقف الإنتاج المعرفي، وهي غالبا إجابات موضوعية تتداخل فيما بينها لتفرز السلوك الحزين جلد الذات «نحن وهم».
إن أخطر ما نتج عن هذه «المُجالدة» جيلا مستسلما تماما، جيلا لا يجرؤ أن يحلم بالأفضل، جيلا محبطا تماما أسمى أمانيه شقة تجمعه مع زوجته و عدد من أرغفة الخبز تسد رمقهم وراتبا يكفيه إلى منتصف الشهر وليس آخره فهذه أمنية أعظم.
لا أقصد في هذا المقام جيلا مستسلما أمام «إسرائيل» أو عدو يتربص به، بل جيلا مستسلما أمام نفسه، أيها الناس نحن لسنا جهلة أو أقل شأنًا من الأمم الأخرى، لكن أمامنا معركة كبيرة لتحرير «الإرادة الفردية» التي بدورها ستحرر الإرادة العربية، أخي الكريم عبارة أننا نريد ألف عام لنلحق الأمم الأخرى، ما هي إلا كذبة اخترعها محترفو تسويق الاستسلام والهزيمة.
أخفض سوطك وارفع صوتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد