سنين الجمر أو ما يعرف بالعشرية السوداء حطّمت الجزائر على جميع الأصعدة، منذ حلّ حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ (Fis) في مارس (آذار)  سنة 1992  وذلك بعد هيمنته على قبة البرلمان مكتسحًا بذلك الحزب الحاكم في الانتخابات التشريعية في ديسمبر (كانون الأول) 1991، فقد كان الحزب آنذاك البديل  المنقذ  بالنسبة للشعب وذلك بتوجهه الجديد والمنطوي تحت الدعوة الإسلامية، فكسب تأييدًا واسعًا من الجميع.

فشعرت المؤسسة العسكرية بالخطر لاعتلاء قادة بارزين الحكم، فاتخذت قرارها التاريخي والتي انفردت به بحلّ الحزب وتوقيف جميع أنشطته واعتقال أبرز نشطائه، وقد تبرأّ الرئيس السابق الراحل الشاذلي بن جديد من ذلك مقدمًا استقالته آنذاك، لقد كانت هاته الأحداث كفيلة في دخول البلاد في حرب أهلية قاسية، فقد تضرّر الشعب من الأعمال الإرهابية الدموية من طرف الجماعات المسلّحة ومن المضايقات كحالات الاعتقال والتعذيب من طرف السلطة الحاكمة.

لقد أصبحت الدولة في تلك الفترة تائهة غارقة في دوامة من الفوضى السياسية، فلم يعمّر الرؤساء في القصر الرئاسي طويلًا، فقد  تعددت الحالات من الاغتيال إلى الاستقالة، كل هاته الظروف أدت إلى عزلة الجزائر دوليًا وإقليميًا، وأصبح الأمر يشبه الحصار؛ لكونها أصبحت منطقة غير آمنة ومستقرة، فتضييق الخناق على الحدود وغلقها مع بعض الدول، انعكس سلبًا على اقتصاد وثقافة البلد.

إزداد الضغط الأجنبي على المؤسسة العسكرية وذلك بالإسراع لإيجاد مخرج من هاته الأزمة، خصوصًا مع إقدام الرئيس اليامين زروال على نيتّه بالخروج من الحكم قبل نهاية ولايته، فأحييت المفاوضات من جديد مع السيد عبد العزيز بوتفليقة، لكونه رفض مقترحًا من قبل قدمته السلطة السكرية لتولي زمام القيادة، عاد عبد العزيز بوتفليقة من منفاه الاختياري إلى الرئاسة من بوابة انتخابات رئاسية شكلية بتاريخ 15 أبريل (نيسان) 1999، والتي أطرّها الجيش، الأمر الذي إلى أدى التشكيك في نزاهتها وانسحاب مرشحين منافسين عشية إجرائها.

تولى عبد العزيز بوتفليقة الحكم، وورث ملفات ثقيلة، أبرزها الوضع الأمني، فتعهّد بإجراء عدّة إصلاحات أهمها سن قانون الوئام المدني عبر استفتاء شعبي، وبالفعل استطاع الرئيس كسب رهان الأمن، وأخرج البلاد من ذلك النفق المظلم.

عادات الروح من جديد إلى الجزائر ، وذلك من خلال فكّ عزلتها، من خلال العودة إلى المحافل الدولية وإبرام اتفاقيات التعاون والشراكات مع مختلف الدول، والانخراط في معظم المنظمات، فاستعادت مكانتها ما بين الأمم، ودخلت مرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر النفط آنذاك وارتفاع قيمة الدينار الجزائري، والذي انعكس بالإيجاب على البرامج الرئاسية المسطرة كالإسكان والتعليم والفلاحة والصناعة، والتجارة وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، فتطورت البلاد بشكل ملحوظ، فقد تم إنجاز المجمعات السكنية والجامعات والمدارس والمعاهد، وشق الطرقات وتعبيدها إلى غير ذلك من المشاريع الكبرى والمشاريع الجوارية، إلى جانب توفير مناصب العمل وتشجيع على خلق المؤسسات الإنتاجية عن طريق منح القروض للشباب.

عاشت الجزائر زمن البحبوحة المالية في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بالموزاة بذلك برزت العديد من المؤسسات الاقتصادية الفاعلة ورجال أعمال النافذين طيلة عهدتين من الحكم، كما لم تخل من بعض فضائح الفساد كفضيحة الخليفة، كانت الأمور تسير على العموم بشكل طبيعي، غير أنه مع انخفاض أسعار المحروقات، والتي هي المصدر الأول والأساسي لنفقات الدولة، تجلّت العيوب وإنكشفت كعدم وجود قاعدة صناعية وفلاحية بديلة عن صادرات البترول، فعجز الميزان التجاري فرض على الحكومة والشعب انتهاج سياسة التقشف وصاحب ذلك انهيار في قيمة الدينار، هاته الفترة عرفت أيضًا مرض الرئيس مع نهاية عهدته الثالثة.

تعتبر العهدتين الأخيرتين للرئيس السابق مرحلة كارثية بامتياز، فغياب الرئيس عن الساحة، وتولّي بعض المقربين منه زمام تسيير البلاد في الكواليس، كما أن سياسة التطبيل التي مارستها بعض  الأحزاب بمساندتها للحكومة قد ساهمت في انهيار البلد اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا.

تفشى الفساد المالي في عروق النظام، وتوالت عملية نهب البنوك عن طريق تهريب العملة الصعبة إلى الخارج من خلال صفقات واهية وتضخيم الفواتير، ومشاريع صناعة السيارات التي استنزفت الاقتصاد الجزائري كما عرفت هاته الفترة العديد من الفضائح الكبرى كقضية (سونطراك 1، وسونطراك 2) وقضية (الطريق السيار)، إلى جانب فشل مشاريع الشباب، فتبددت الأموال وضيعت ما يقارب 800 مليار دولار من الخزينة.

أثرت هاته الظروف على القدرة الشرائية للمواطن، فكثرت البطالة، واتسعت الطبقة الفقيرة، بارتفاع الأسعار، وازداد الإحتقان والغليان في الشارع مع ترشيح الرئيس لعهدة أخرى، الأمر الذي أدى بخروج الشعب للحراك ورفضه للعهدة الخامسة، ومطالبته بتغيير النظام وفتح ملفات الفساد، ومتابعة المتسببين في ذلك، وهو ما نتابعه الآن من توقيفات ومحاكمات مارثونية لعدة شخصيات نافذة ومقربة من بلاط القصر، حتى وصل الأمر  إلى عائلة الرئيس.

عشرون عامًا من الحكم كانت كلمح البصر بالنسبة للرئيس المستقيل ولحاشيته، فبعد دخوله من الإمارات، ها هو يخرج إليها مجدد تاركًا البلاد كما وجدها أول مرة، فعادت الجزائر إلى نقطة الصفر، اقتصاد منهار، عملة منهارة، شعب منهك معيشيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد