في إحدى ليالي رمضان قبل الماضي، كنتُ أحمل من خيباتي ما لا تُطيقه النفس ويُنكره العقل؛ فضاقت بي الدروب وتعاظمت الصِغارُ تِلالًا، واستيأس القلبُ ظانًا أنه قد خُذِل، فقد قل الزاد وجف ينبوع الرضا بما قُدِر علينا. فترقبتُ الإمام، وانتشيتُ بإلقاء السلام يمينًا وشِمالًا حتى نهضتُ على عَجلٍ وسارعت إلى الخروج كي أُوقِف حربًا نشبت بين قلبٍ فاتر ونفسٍ مُنهكة وعقلٍ كاد أن يفقد رُشده بينهما. فشددتُ الرِحال ووقفتُ على باب المسجد أنوي الفِرار، ولكن لا سبيل للفرارٍ؛ فالسجن بداخلي قائم! فغُصتُ في غياباتِ نفسي حتى نسيتُ أنني على باب المسجد أقف. فاستوقفتني إحداهن وطلبت مني أن أرافقها لمكانٍ ما، حاولتُ التفلُت منها بهدوء – فبداخلي من الصخب ما تخور منه قواي– ولكنها استمسكت بي، هل إلى انسحابٍ من سبيل؟ لا. فرافقتُها على مضضٍ ليتجلى قدرُ الله ممزوجًا بلطفٍ لا ينبغي لسواه.

سِرنا حيثُ قُدِر لنا إلى أن وصلنا إلى وجهتُها، فوقفنا على باب بيتٍ لا يشوبه من ترف الحياةِ شيء، فاستأذنا للدخول وانتظرنا حتى أُذِن لنا، دخلنا على استحياءٍ وما إن جلسنا حتى تلفتُ خِلسة كي أبحث عن أبسط أسباب الحياة، ولكني لم أجد. فانطويت على نفسي خَجْلى. ولذتُ بصمتٍ لا يشوبه سوى إشفاقٍ لم أدرِ حينها ماهيته، هل كان على نفسي الحالمة أم على ساكني هذا البيت! وبين هذا الصخب العقلي لفت نظري ركنٌ ما؛ قد يبدو لك هادئًا أول الأمر، فقط جسدٌ لا حِراك له، يملك وجهًا نورانيا، تحسبه ساكنًا، إلا أنه يضجُ باسم الله، فيغشى ساكنيه ومن حولهم طُمأنينةٌ لا تنبغي إلا لقومٍ مؤمنين.

بدأنا بإلقاء التحية، فأتتنا بأحسن منها وزادت، لم نسأل عن الحال فلا نرى منه سوى امرأة تجاوزت الستين من عمرها ولا تملك من متاع الدنيا شيئًا، غير قلبٍ مُبصر كان عِوضًا عن بصرٍ استرده الله. فلاذت كل واحدة منا بصمتها إلى أن شق صوتُها الرخيم قلبي الفاتر.

بدأت تُحدثنا عن الله القريب الذي يؤنس وحشتها ويُنير بيتها وقلبها بنوره، وعن لهفتِها للانتقال إلى دار الحق.

فسألتُها: هل لعِوض تترقبين؟

قالت: وهل بعد رؤية الله عِوض؟

ارتبكت أحرفي مني فاستدركتُ خطأي وعدتُ أسأل: هل تريدين رؤيته؟ ردت بصوتٍ يُمازجه الصدق، وأخبرتني بلغتها البسيطة الطيبة، أنها تخاف الله، فهو عظيم نعم وأيضًا رحيم، سينظر لحالها ويُدخلها الجنة هي تثق به، تدعوه دومًا كي تراه، وتطرقت عن وعده لأهل الجنة بكشف الحجاب فتِهتُ منها لا أدري إلى أين، فربما علِقتُ هناك عل باب الجنة! أو اشتبكت مع نفسي فقد رأيتني أغوص في أحلامٍ واهية ولم يؤرق مضجعي يومًا، أن أرى وجه الله!

هل أسهبَت عن جمال الله؟ هل تطرقت لفرح أهل الجنة بعد كشف الحِجاب؟ هل انتقلت لحديثٍ ـ آخر؟ ربما! فكل ذلك يبدو جائزًا. فبين التيه والصحو تتمازج الأمور وتختلط الأحاديث فلا تدري في أمر مسارـ يسير مُحدِثك! وبعد حينٍ انتبهتُ، ربما أفاقني نشيجها المُتلعثم بتمتمات لم أفهمها حينها، أو تنبيه رفيقتي، تُخبرني بوجوب الرحيل، لا أذكر، فقد تِهتُ مني، وقُرب الافتراق والعودة لمنزلي سألتها: ماذا كانت تقول حين علا صوتها بالبكاء؟ لمعت عيناها وقالت كانت تُخبر الله أنها تُحبه فسابق الدمعُ أحرفها وعلا صوتها بـ«إني أحب الله، إني أحب الله». فافترقنا وعُدتُ بقلبٍ ذائب من جمال ما رأيت وأدركتُ حينها لماذا خلق الله الآخرة!

«وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا».

هذا أمرٌ من الله، ولكن، من مِنا لا يريد وجهه ويبتغي رضاه؟ لا أحد، فجميعنا نريد، ولكن الفِعل عصيٌ دومًا. وإلا لما كان للعُباد مراتب شتى، وما اختلفت درجاتهم عند الله. فكلٌ منا يأخذ إلى الله مسلكه الذي يقوى عليه وتيُسره له نفسه؛ فمنا من يعبده ليُعطي فيتيه في الدنيا ويُوغِلُ فيها حتى يُخيل إليه أنها دارُ جزاء؛ فينغمس فيها وينسى، ومِنا من استيأس من عِوض هُنا فيرقبُه هناك، يترقب الآخرة ويرجو رحمة ربه، فيأمل الجنة ويرتجي جزاءً حسنًا، نعم، طلبُ عطاءٍ من نوعٍ آخر، بالتأكيد أسمى من طالب دنيا ولكن، ماذا عن عُبّادٍ آخرين؛ الله وجهتهم؟ يمتلكون قلوبًا من نور، لا تبتغي جاهًا هنا ولا يؤرقها جنةً ونعيمًا هناك، فقط يُذيبها الشوق إلى رضاه، ربّ أرني أنظر إليك يوم اللقاء، هكذا يدعون، يتبتلون باسمه صادقين، نظرة يا رب! رؤيته وحدها تُنسيهم فيغدون بعدها فَرِحين كأنهم ما ذاقوا شقاءً قط، هكذا نرجو أن نكون بينما في الصِنف الأول نندسُ وبقوة غير عابئين بما تطلبه الروح وما يستوجبه أمر الله من «سمعنا وأطعنا».

إن حياتَنا أنفاسٌ معدودة، تنقضي حين يُؤذن لنا باللقاء فنترك هُنا غير عابئين بشيء، ولسان حالنا نتساءل بأي حالٍ سنلقاه!

ندرك ذلك ونؤمن به. نُراوغ إيماننا كثيرًا. نعلم ذلك، ونعلم أيضًا أنه من السُخفِ أن نُضيعَ حياتَنا هباءً بلا نفعٍ يُبلغنا رضاه، فُحب الله غاية، وملاذٌ للتائهين وفيه مرساةُ لغرقى يتقاذفهم الموجُ في بحرٍ لُجيٍ تعلوه ظُلماتٌ ثلاث، فلمَ نتخبطُ هُنا وهناك والبابُ لم يُغلق في وجه صادقٍ يرجو رضاه؟

الحياة ممر يا رفيقي، ربما يطول أو يقصر، لكنه إلى زوال، فِلمَ لا نتوجه إلى اللهِ بقلوبٍ صادقة مُنيبين إليه، راضين بما قُدِر علينا داعينه بأن يفتح بيننا وبينه ويُديم حبل وصالنا؟

سؤالي هذا مقاليد إجابته بين يديك إن شئت وشاء لك الله رفعت الحُجب بينك وبينه، واقتربت.

وخاتمة حديثي لا أنهيها إلا بما دعا به حبيب الله وقبلة قلوبنا، بأن يجعل حبه أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأموالنا ومن الماء البارد على الظمأ، آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد