في الشهور الفارطة قتلت قوات الاحتلال ما يزيد على المائة من المتظاهرين السلميين في مسيرة العودة الكبرى، وأصابت الآلاف بالذخائر الحية والرصاص المطاطي والغاز (لا يعلم تحديدًا نوع الغاز الذي تم استخدامه بشكل متزايد من قوات الاحتلال، إلا أن آثاره الخطيرة تتمثل في نوبات تشنج عنيف وإجهاد عام).

الجرائم التي ارتكبتها دولة الاحتلال في مسيرة العودة الكبرى في حقيقة الأمر، كانت أكثر من ذلك، حيث قامت قواتها بإصابة وقتل المدنيين من النساء والأطفال، وقتل الإعلاميين، وقتل الكوادر الطبية مثل المسعفة رزان النجار، بل إن إجرام الدولة المحتلة وصل إلي قتل ذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين.

من وجهة نظر القانون الدولي فإن الاتفاقات الدولية منحت حق الحماية للمتظاهرين السلميين والنساء والأطفال، ولذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين، كما نص علي ذلك إعلان الأمم المتحدة الذي أكد علي ضرورة توفير حماية خاصة لهم (ينص إعلان الأمم المتحدة في المادة 58 من البروتوكول الإضافي الأول أن الاعتداء على أشخاص عاجزين عن القتال يعتبر جريمة حرب).

لم تلتزم دولة الاحتلال (وهو أمر متصور ومتوقع) باحترام وتطبيق أحكام اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، بالرغم من أنها صادقت عليها، أو أحكام النظام الأساسي لمحكمة الجنائيات الدولية، وقانون لاهاي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات مناهضة الجرائم الدولية، واتفاقيات حظر الأسلحة المحرمة دوليًا، واتفاقيات حقوق المرأة والطفل.

  ما قامت به دولة الاحتلال هو انتهاك بكل المعايير للمواثيق والاتفاقيات والأعراف الدولية التي تقرر مبدأ الحماية الدولية للمدنيين، ليس ذلك وحسب، بل إنها في فعل مجرم أيضًا كانت تثمن بلاء قواتها، والاحتراف الذي بلغته في قتل المتظاهرين السلميين، وهو ما يؤكده أفيغدور ليبرمان الذي يقول: (إن جنودنا احترفوا قتل المتظاهرين على الحدود الشرقية في قطاع غزة)!

لم يكن معني الحماية التي تعرف في فقه القانون الدولي بأنها الإجراءات التي تتخذها الهيئات الدولية إزاء دولة ما، للتأكد من مدى التزامها بتنفيذ ما تعهدت والتزمت به في الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان، والكشف عن انتهاكاتها، ووضع مقترحات أو اتخاذ إجراءات لمنع هذه الانتهاكات،لم يكن هذا المعنى موجودًا في مسيرة العودة الكبرى أو غيرها، ولم تتخذ الهيئات الدولية أية إجراءات لمنع المخالفات والانتهاكات ضد دولة الاحتلال الغاصبة.

مع هذا فإن دولة الاحتلال (فيما هو منظور) تعتبر أنها بلغت من القوة العسكرية والتقنية، ما يمنع معها الالتزام بأية قوانين أو أعراف أو مواثيق دولية، وهي من ثم غير معنية بالتقيد أو الالتزام بقانون أو ميثاق، غير أن عدم إنفاذ دولة الاحتلال للقوانين الدولية، الذي تعتبره هي من القوة التي بلغتها (مع أن الواقع يؤكد أن قطاع غزة يمثل صداعًا مزمنًا لها، وألمًا موجعًا في خاصرتها، وهي الحقيقة التي يزيد من مضمونها المرابطون في قطاع غزة) يشير من ناحية ثانية إلى الضعف الذي يعتري المنظومة الدولية، التي لا تستطيع إنفاذ مبدأ الحماية الدولية للمتظاهرين السلميين، والنساء والأطفال والمعوقين! أو اتخاذ أي إجراء دولي ضد هذه القوة المتمردة على القوانين والأعراف! والتي تفرض وجودها وطبيعتها الإجرامية والسارقة بقوة النيران!

يمكن مقاربة ذلك بأمرين اثنين: أولًا هو حجم التعامل أو بالأحرى التواطؤ الكبير مع دولة الاحتلال، حيث ترتبط العديد من الدول الموقعة علي الاتفاقيات والمواثيق الدولية، مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بمصالح وأهداف مشتركة في المنطقة، وهو ما يجعلها تتغاضى وتتعامى عن جرائم ودموية الاحتلال، حتى وإن كانت توقن بعدم شرعية الاحتلال ودمويته المفرطة.

الأمر الثاني هو لغة التهديد والترهيب ورفع العصا، التي تستخدمها الولايات المتحدة (باعتبارها قوة عظمى) بتوقيع وإنزال العقوبات الاقتصادية أو العسكرية، ضد أية دولة في المجتمع الدولي يمكن من شأنها أن تهدد أو تمس الأمن القومي لدولة الاحتلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد