يشغلني كثيرًا عندما أشاهد الأفلام الحديثة والمسلسلات وخصوصًا الأفلام سواء العربية أم الأجنبية المفهوم الجديد لصورة البطل أو “شجيع السيما” – كما كانوا يطلقون عليه قديمًا- كشخص جدير بإيرادات الشباك .

 
منذ بداية صناعة السينما كان البطل الأول للفيلم لابد وأن تتوافر فيه مجموعة من المواصفات المحددة لأن الفيلم عبارة عن رساله محددة موجهة لعقول الشباب الذين يتابعون أبطالهم بشغف يصل إلى حد التقليد الأعمى في بعض الأحيان .

 

 

 

 

أما الآن وقد تغيرت أخلاقيات القرن وتغيرت معها آلية التصنيع السينمائى، أصبح البطل الجديد لا يمثل عادة الصورة التى قد نطلق عليها المثل الجيد الذي قد يكون من المحبب الاقتداء به،

 

 
ومع ذلك فنحن نحبهم ونغفر لهم كل ما يفعلون، بالرغم من أننا لو شاهدنا هذه الأفعال في أرض الواقع سنكون أول الصارخين ونطالب بتحقيق القصاص منهم!

 

 

 

ولمزيد من التوضيح سآخذ السينما المصرية كمثال:

كلنا بكينا تعاطفـًا وحزنـًا على أحمد السقا في فيلم “تيتو” عندما تم قتله في نهاية الفيلم، ولم يطرف لنا جفن عندما كان يسير يقتل في الآخرين طوال الفيلم، فهل بكينا على أحمد السقا أم على تيتو؟

 

 
وأيضًا كلنا اندمجنا مع كريم عبد العزيز في فيلم “واحد من الناس” وشجعناه على كل أفعاله التدميرية في سبيل انتقامه لزوجته التي تم قتلها ظلمًا، ولم نتأثر بمن ماتوا في سبيل هذا الانتقام؟

 

 

 

فهل يا ترى لو استيقظت في ذات يوم لتجد المكان الذي تعمل فيه قد تم تفجيره – مثلما فجر كريم عبد العزيز شركة الرجل الغني المسئول عن وفاة زوجته – وللأسباب نفسها

 

 

مع من ستتعاطف؟

هل ستقول إن الشخص المسئول عن التفجير معه كل الحق في الانتقام؟
أم ستبكى على حظك وتشريدك في الشارع بدون عمل؟ هذا في حال نجاتك من التفجير حيًا.

 

 

 

أجب على هذا السؤال، ثم أعد التفكير في تعاطفك مع كريم.

 

 

 

ومن الأفلام المماثلة، فيلم “الشبح”

 

 

 

 

هل تعاطفك مع أحمد عز وفرحك لخروجه بريئًا ومعه نقود كثيرة، ينسيك أنه كان طيلة حياته لصًا ونصابًا ومزورًا ومحتالاً؟ هل ينسيك أن النقود التي أخذها في نهاية الفيلم ليس له أي حق فيها؟

 

 

 

ولو حدث هذا في الواقع هل تغفر لشخص كل هذا لأنه وسيم؟! فتحذف ابتسامته الفاتنة من رأسك مفهوم الجريمة والعقاب.

 

 

 

أو ربما تخدر نظرة عينيه الناعسة ضميرك عن التفكير في مصير من قام بالنصب عليهم أو سرقتهم ؟!

 

 

 

 

في فيلم “كدة رضا” أيضًا، الفنان اللامع أحمد حلمى قام بدور ثلاثي، لثلاثة أشقاء اسمهم رضا

 

 

 

هل حبنا لأحمد حلمي وفرحتنا بأن الثلاثي استعاد نقوده بالكامل في نهاية الفيلم، تنسينا أن هذه النقود حصلوا عليها من خلال النصب على بعض السذج.

 

 

 

المقولة الشهيرة تقول إن القانون لا يحمي المغفلين، وهي صحيحة، ولكن المجتمع أيضًا لا يغفر للنصابين، وهل قيام الأب بتسجيل الثلاثي باسم واحد ليتهربوا من التجنيد أمر مشرف يتم عرضه أمام من قد تسول له نفسه بالتقليد؟

 

 

 

 

 

وقِس على النظرية نفسها أفلام شبيهة متعددة أصبحت تزدحم بها السينما مؤخرًا، ومنها السفاح وأدرينالين وعبده موتة وأولاد رزق.

 

 

 

 

فهل تبلغ درجة تأثير الدراما أن تستطيع دفعنا إلى التعاطف مع قاتل محترف ودموي مثل هاني سلامة في فيلم السفاح إلى الحد الذي يجعلنا نشفق عليه من عقوبة الإعدام بينما هو يسير في تثاقل بالمشهد الأخير، وربما يجعلنا نبكي عليه! وننسى كل العيون التي أبكاها من هم مثله في المجتمع كلما حصد روحًا من كل أسرة وحرم عائلة ما من أحد أفرادها دون ذنب.

 

 

 

 

 

في أدرينالين، هل تعاطفت حقـًا مع معاناة غادة عبد الرازق طوال الفيلم واعتبرتها ضحية بعد أن قامت بخيانة زوجها العاشق وساعدت في التستر على جريمة ومهدت الظروف لاستدراج ضحية!

 

 

 

أفكار كثيرة تزدحم في رأسي دومًا بعد مشهد النهاية، فكلما شاهدت فيلم أجدني لا أفكر في البطل، بل أجد تفكيرى يتجه نحو من يصرعهم البطل في سبيل تحقيق حلمه أو هدفه أو انتقامه على حسب نوع الفيلم، وأجدني في نهاية كل فيلم أسأل نفسي، هل يغفر المجتمع حقـًا للمزور أو النصاب أو القاتل المحترف في الواقع مثلما تغفر له الدراما؟

 

 

 

 

 

هل أنت على استعداد أن تتعامل دون حذر أو ريبة محتملة مع شخص من هؤلاء؟

 

 

 

هل الندم وحده كاف للتكفير عن أعمالهم أم لابد للقانون أن يأخذ مجراه، ومن ثم قد يصبح للندم موضع؟

 

 

 

وهل أصبح حقـًا أبطال السينما أبطالاً مغفورًا لهم على الشاشة؟ وعلى أرض الواقع هم خارجون مطلوبون من العدالة ؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد