دائمًا ما نشكو ونتشاكى من تفشي الواسطة والمحسوبية، لأنها تعطي الحق لغير المستحق وتقضي على آمال البعض، ولكني اكتشفت مؤخرًا أن الواسطة تخطت مرحلة الظاهرة وتتجه لأن تكون ثقافة مجتمعية، حيث إن الأغلب لا ينجز أي معاملة إلا وقبلها يبحث عن واسطة، حتى وإن كانت هذه المعاملة لا تشوبها شائبة وأوراقها كلها مستوفاة وكاملة.

أقدر أن هناك بيروقراطية متفشية تقف حجر عثرة أمام إنجاز مهامنا، والتدقيق على كل صغيرة وكبيرة، ومتطلبات لأوراق كثيرة غير ذات أهمية، ولذلك البعض يتجه إلى الواسطة لتقليصها، ولكن ما لا أتفهمه إن كان مستوفيًا للشروط وكل شيء متوافر وموجود، لماذا الاتجاه لهذه الواسطة؟

وما يثير دهشتي واستغرابي أكثر مشاعر الزهو التي يستشعرها بل ويستعرضها أمام الآخرين بكل فخر أنه أخذ حقًا من حقوقه بالواسطة!

الحاجة للناس منقصة يقول ابن تيمية رحمه الله: ومتى احتجت إليهم ـ أي إلى الناس ـولو في شربة ماء، نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم.

أصبح البعض يتلذذ بأن يتذلل لأي من كان حتى ينجز أعماله، التي من المفترض أن تنجز دون تملق وتزلف لأحد، فاستدركت هنا أن هذه ما هي إلا من خصائص العبودية المترسخة في بعض النفوس البشرية، عبد المنزل بكل زهو يفتخر أنه متميز عن أقرانه من عبيد الحقل بيد أن العكس هو الصحيح. من يرى أنه حر وعلى حق وله حق يرى أن الناس أيضًا أحرار، ولهم حقوقهم التي يستحقونها، وكراماتهم التي يجب ألا يفرطوا بها لأي من كان، ويسعون لأخذها وتخليصها بالطرق الرسمية، ومن خلال الأطر الإدارية دون أي محاباة أو محسوبية.

ولكنه يأبى إلا أن يؤدي دور الخاضع الذليل من الغير، وكأنها إحدى هواياته التي حرم منها فإذا وجد أحدًا بيده سلطة مهما كانت هذه السلطة، استحضر هذه الهواية المترسخة في وجدانه وأضفاها ولعب الدور بها ببراعة وأجادها بكل حرفية، وكأنه داعرة من بنات الليل تغوي من يمر في الشارع المظلم آخر الليل، فهو لا يتوانى عن الارتماء بحضن أي سلطة كانت، وتقديمه لها فاكهته العفنة التي نبتت في تربة نتنة، وتجذرت جذورها وطالت سيقانها ونمت أغصانها من ارتوائها بماء المهانة، وكل ما زاد من يمتلك تلك السلطة السطوة قام بالمقابل بإذلال نفسه أكثر، مازوخية متفردة ومجردة من مفهوم العزة والكرامة.

كل مسلم المفترض أن يدعو الله إلا يحوجة لغير وجهه الكريم، ولكنه يستمتع أن يستشعر مشاعر العبودية، ويحاول بأي طريقة أن يمارسها، خصائص فعلًا مترسخة ولدى الكثير غير مستهجنة، بل يفتخرون ويفخارون بهذه العبودية المختارة.

العبيد هم الذين يهربون من الحرية، فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيد اَخر، لأن في نفوسهم حاجة ملحة إلى العبودية، لأن لهم حاسة سادسة أو سابعة، حاسة الذل لا بد لهم من إروائها.    سيد قطب

هناك شعور جميل لم يجربه من يبحث عن واسطة، وهو فعلًا قمة الافتخار والزهو الحقيقي، عندما تصادف في دائرة حكومية، أحد الموظفين ممن يطلق عليهم مسؤولين، والذي تربطك به علاقة ما أو معرفة مسبقة، يرحب بك ثم يسألك ما هي معاملتك فترد عليه بكل أنفه وشموخ شكرًا لقد أنجزتها، هنا مكمن الفخر وأصل الافتخار الذي لا يفقهه عبد السلطة

               يرضى المذلة من تردت هقاويه
والذل يجفل منه قلب العصامي
والعبد له رب عن الناس يغنيه
ولولاه ما صاب الهدف كل رام
الأمير: محمد الأحمد السديري

الآن وفي خضم ثورة تكنولوجيا المعلومات، وفي ظل مفهوم الحكومة الإلكترونية تقلصت أغلب العقبات، وأصبح كل منا يعرف بالضبط ما هو المطلوب منه لتخليص هذه المعاملة أو تلك، ولذلك لم يعد لك عذر بتوجهك للواسطة، فبذلك تكون قد انتهكت القوانين، وساعدت على تفشي البيروقراطية المقيتة، فلا تكن ترسًا في منظومة الفساد الإداري. 

أخيرًا: إن كنت إلى الآن تصر على الواسطة، فالأجدر بك أن تختر لنفسك صفة من اثنتين،أما إنك مغفل كبير، أو عبد ذليل تبحث عن سيد حقير.

اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ            وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد