منذ طفولتي أدركت تمامًا أن الناس وإن تفاوتوا في مدارات السعي، إلا أن مبتغاهم واحد في النهاية وهو الحصول على السعادة وإشباع النفس بها إلى أقصى مدى حتى لا يجد المرء في نفسه لغير السعادة موضعًا. يختلفون في أشكالهم وأعمارهم وطباعهم وأفكارهم ورؤاهم، ولكنهم يجتمعون في مضمار الباحثين عن السعادة في ثغور الحياة.

المتسارعون إلى العمل والذاهبون إلى المدارس والماكثون في المنازل والمنغمسون في القراءة والغارقون في النوستالجيا والمتعايشون مع الواقع المرير والمتطلعون إلى التغيير والحالمون بغد أفضل والمحاربون لذلك الغد، تباينت أشكال حياتهم وداروا في حلقات مختلفة ومتداخلة واتفقوا على أن السعادة مبتغى نفوسهم جميعًا.

ويبقى السؤال، لماذا تفقد الأشياء بريقها حين تدنو، وتفقد زهوها عند الحصول عليها؟

لماذا عند كل مرحلة جديدة في الحياة تشعر أنك أمام مغارة علي بابا السحرية وأن السعادة الأبدية ستجدها خلف تلك البوابة العتيقة؛ فتهرول إليها في شغف، فلا تجد إلا صخورًا جامدة مترامية على الجانبين؟

المال الذي سعيت من أجله سنينًا طوالاً حين أتى لم تجد في نفسك الرضا التام الذي كنت ترجوه، والفتاة التي أحببتها قد صارت زوجًا لك، ورغم ذلك فالواقع ليس ورديًا كما كنت تظن والحياة معها لا تخلو من المنغصات والأزمات، والشهادة التي كافحت من أجل الحصول عليها أثبتت الأيام أنها لا قيمة لها في سوق العمل، والصديق الذي كنت تحسبه خيرًا من الدنيا وما فيها أظهرت الحياة أخبث ما فيه حين امتزجت الأموال بالصداقة فصار المال أولى عنده منك، وهو ذاته المال الذي ذكرت مسبقـًا أنك أفنيت سنوات عمرك الزاهية من أجله، وهكذا تدور الدائرة.

صارت الحياة عروضًا مسرحية متتالية، تظنها رائعة ومبهرة طالما ظلت على الورق ولم تخرج عن طي الخيال، وما أن تنتقل إلى مرحلة التطبيق على أرض الواقع فإذا بها ليست بهذا القدر من الجمال والسحر، فقط خيالك وقلبك كانا يخدعانك ويتاجران معك بالأوهام.

سأعطيك خمس نصائح استخلصتها من ربع قرن قضيته في رحاب هذا الكوكب اللطيف وأناسه، ستضمن لك راحة واقعية وممتدة المفعول، وستجعل الأشياء براقة في عينيك دون زيف، وستفك لك طلاسم متلازمة الإنسان والسعادة.

أولاً: لا تقصر سعادتك على المال

المال شيء حيوي بالغ الأهمية وبه تتوفر مسببات السعادة وتتحقق الأمنيات، إلا أن إقحام النفس في شرك الأرقام يجعلها لا تقنع مهما تحقق لها. ولا أعني بكلماتي قتل طموحك ورغبتك في جني المال، ولكني أدعوك إلى إسعاد نفسك بالموجود بالتوازي في رحلتك لحصد غير الموجود، فالمال يأتي في سنوات ويذهب في لحظات، وإن كنت تنتظر المليون فهذا لا يعني أن المائة غير قادرة على إسعادك ولو بشكل مؤقت.

بينما إقحام نفسك في دوامة المال سيجعلك بعد المليون تحمل هم العشرة ملايين وهكذا حتى تتمرد نفسك على الحياة وتلعنك وتلعن أموالك ولا تجد غير الموت ملاذًا للتخلص منك.

ثانيًا: لا تربط سعادتك بالأشخاص

قد يبدو الأمر دراميًا وقاسيًا لأبعد مدى، ولكن سنّة هذه الحياة أن البشر متقلبون ثم زائلون؛ لذلك ربط السعادة ببعض الأشخاص يضعك في مخاطرة كبيرة ويضع مصيرك في يد الآخرين، وقد تتبدل أحوال الآخرين يومًا ويكون الرحيل قرارهم دونما تفكير في مصيرك البائس بعد ذلك الرحيل.

وحياة البشر وذكرياتهم وكتاباتهم وأشعارهم على مختلف العصور لا تخلو من سرد حكاية الحبيب الذي رحل والصديق الذي غدر، فانتكست الحياة وصارت كالموت من بعدهم.

اسأل نفسك: أين أصدقاء الطفولة؟ أين رفاق مدرستك الأولى؟ أين المعلمون والمعلمات الذين شاركوا في صنع علمك وفكرك؟ أين زملاؤك في العمل السابق ؟ أين محبوبتك الأولى؟
رحلوا جميعًا، أو ربما تبقى منهم القليل، قد يغيب الصديق ويموت القريب وترحل المحبوبة، فماذا أنت فاعلُ بدونهم؟

استمتع بوقتك معهم وأحبهم بصدق وإخلاص لكن لا تربط سعادتك بهم.

ثالثـًا: لا ترفع سقف التوقعات

احلم كما تريد دون أن تحمل الأمر ما ليس فيه، ولا تقنع نفسك أن هناك حدثـًا جللاً سيجعلك تنهل من نهر السعادة بلا توقف حتى الموت، واعلم أن لكل جميل شوائبه.

ستتزوج ثم يرزقك الله بطفل وستكون أسعد الناس، لكن ستمر نشوة اللحظات الأولى وستدرك بعدها أنك تحملت مسئولية كبيرة لها التزامات حياتية وصحية ومالية غير يسيرة. سيارتك الجديدة سترحمك من ازدحام المواصلات والتعامل مع السائقين البشعين، لكنها ستلقي عليك مسئولية جديدة كنت معفيًا منها، وستضع في عنقك أعمار المارة وستلزمك بالحرص في الطريق تجنبًا للحوادث، حين تبدأ مشروعك الاستثماري الخاص ستحقق لذاتك الاستقلال المالي لكنك ستواجه مخاطرات وضغوطات نفسية وذهنية لم تدركها من قبل حين كنت موظفًا صغيرًا في شركة كبيرة.

إذن فالحياة تتقلب على جانبين ولكنها تمضي دون توقف، والسعادة الخالصة لن تجدها سوى في الجنة. كم هو صادم أن تتمنى شيئًا ولا تحصل عليه، ولكن الصدمة ستشتدّ عند الحصول عليه ثم اكتشافك بعد ذلك أنه ليس رائعًا للغاية كما كنت تحسبه مسبقـًا.

رابعًا: اعرف نفسك جيدًا

تصالحك مع ذاتك سيوفر عليك مشقة إرضائها، وسيجعل الأمر أكثر سلاسة مما تظن.
ولا تكن من أولئك القادرين على التفلسف وتحليل الكون والبشر جميعًا من حولهم، وفي المقابل لا يعرفون عن أنفسهم إلا القليل.

إن كنت من النوع العاطفي الهادئ فسعادتك في مرافقة من يشبهونك وطباعهم تتناسق مع طباعك، وإن كنت من الطموحين في الترقّي فاحرص على تعلم لغات والحصول على دورات تدريبية تتعلق بالعمل، وإن كنت من محبي الثقافة والاطلاع فقراءة كتاب ستسعدك أكثر من مشاهدة مباراة كرة القدم، وإن كنت من عشاق الكتابة فسعادتك تلتمسها في ورقة وقلم لا يفارقانك، وهكذا.

خامسًا: اجعل سعادتك محلية الصنع

لا تعقد الأمور وتكثر من تفاصيلها المملة. ليست السعادة مرهونة بالملايين والسفر والطائرات والعقارات، فالأمر أبسط من ذلك. أنت المسئول عن إسعاد ذاتك؛ فالأصدقاء ابتلعتهم الحياة، والأقارب لا يتذكرونك إلا في المناسبات، والمجتمع لا تشغله همومك ومشكلاتك، والدولة لا تعترف بك كمواطن إلا عند جمع الضرائب، والكوكب كله يسير كالقطار ولا ينظر إلى المتساقطين من عرباته.

تحمل المسئولية وابدأ في التنفيذ، عند عودتك من العمل وحدك اشترِ لنفسك قطعة من الشوكولاتة، وعند وصولك للمنزل اخلع ملابسك ولا تضعها في المكان المخصص لها إن كان ذلك سيسعدك.

حافظ على صلواتك، شاهد مباراة كرة قدم لفريقك المفضل، تابع حلقات “الكاميرا الخفية”، اصنع مشروبًا ساخنـًا وابدأ في قراءة رواية جديدة، استعرض ذكرياتك وصور الطفولة، اكتب خواطرك وإن كنت سيئ الكتابة، شاهد مسرحيات وأفلام كارتونية، تعرف على أصدقاء جدد من دول وثقافات أخرى، قم بزيارة لدار أيتام، تعلم لغة جديدة، ابعد عن الإنترنت والسياسة لفترة طويلة، اتصل بمديرك في العمل وأخبره بأنك أعطيت لنفسك يومين إجازة على سبيل الراحة.

نفسك كطفل لديك، عليك تدليله وترويضه في آن واحد، وتعقيد الأمور لن يضير سواك.

يقول مصطفى صادق الرافعي:

“كلمتان هما تعريفُ السعادة التي ضلَّ فيها ضلال الفلاسفة والعلماء، وهما من لغة السعادة نفسها، لأن لغتها قليلة المقاطع كلغة الأطفال التي ينطوي الحرف الواحد منها على شعور النفس كلها. أتدري ما هما؟ أفتدري ما السعادة؟ طفولة القلب”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد