1-  إذا ما طرحت سؤالاً على الناس في مجتمعاتنا عن كيفية النهوض بالبلاد، سيقولون بلا تردد -بالعمل- حتى العاطلين منهم سيقولون العمل، وسيقولون إن العمل يجب أن يكون من خلال طرح مشروع قومي وحشد طاقات المجتمع وخبرات المتخصصين لتحقيقه… إلخ، هذه الجمل المعلبة التي اعتدنا على حفظها وترديدها بلا تفكير.

– السؤال نفسه إذا طرحته في الدول المتقدمة فإنك لن تجد من عامة الناس من يجيبك مثل الحال في بلادنا وسيفضلون الانشغال بالعمل، فلا وقت هناك سوى للعمل، أما أهل التخصص فيهم فإنهم سيقولون بلا تردد إن البلاد تنهض بالإرادة المتمثلة في سواعد الشباب التي تترجم تلك الإرداة لواقع تفخر به الدول .

– تلك هي القاعدة أن الشباب هم المشروع القومي الحقيقي لأية دولة تريد النهوض، فهم الركيزة التي تبنى عليها البلاد من خلال سواعد لا تعرف الكل والملل، وعقول لا تنضب من الأفكار وطموحات لا سقف لها .

2-  وفي مجتمعاتنا ونحن نعيش تلك المرحلة الحالكة التي تستهدف الإجهاز على الشباب وإطاحته من المشهد وقتله ماديًا ومعنويًا كما سيتضح فيما بعد .

– ففي بلادنا التي شهدت ربيعًا ثوريًا مثاليًا للتغيير، كانت مثاليته هي من مكَنت الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب من الانقضاض على أحلام الشباب وألقت بها للردى بعد أن أفسدت ودمرت مجتمعاتنا لعقود، ورغم ذلك أبت أن تستجيب لنداء شعوبها التي دفعت وما زالت تدفع من ثرواتها وأعمارها ومقدراتها ثمنًا لتلك المعادلة التي تفرضها الأنظمة تحت شعار: «إما نحن وإما الفوضى».

 

3-  وقد كان الشباب – مشروعنا القومي – أول من ألقى حجرًا في مياه بلادنا الراكدة وأول من تقدم للمواجهة، وأيضًا كان أول من تجرع مرارة تلك الردة على أحلامهم وأحلام بلادنا، ولم تكتف الأنظمة بالإجهاز على أحلام الشباب، فاتهمهم بالعمالة، واصفين الشباب الذي خرج ينادي بالحرية بأنه أداة استخدمت في يد غيرهم لهدم بلادنا وتنفيذ مخططات للنيل من أمنها واستقرارها .

– فمنذ الثالث من يونيو وحتى يومنا هذا يخرج علينا بشكل يومي من يتهم الشباب بالعمل كأداة لتنفيذ مخططات وضعوا لها عنوانًا حروب الجيل الرابع والتي عرَفوها بأنها حروب تدار عن بُعد بدون مواجهة عسكرية معتادة، من خلال دفع الشعوب وفي القلب منها الشباب لتدمير بلادهم ذاتيًا .

– وهذا وصف لا يعدو عن كونه صناعة أمنية خرج من غرف إنتاج المواد الدعائية والمضامين التي تدار بها الحياة الإعلامية في بلادنا، وذلك لعده شواهد أهمها:-

أن من استبدوا بحكم بلادنا لعقود قاموا بتلك المهمة ونجحوا في القضاء على كافة مقومات الحياة الكريمة وانقضوا على ركائز مجتمعنا وحولوها لحطام بعد أن نجحوا في إيصال فساد الطبقة الحاكمة لقاع المجتمع فأجهزوا عليه وحملوه وحملوا أجيالاً لم تولد ديونًا متراكمة وورثوهم أمراضًا وأوجاعًا لم تفلح أعتى الحروب أن تخلفها ببلد تعرض للعدوان .

ثانيًا أن شبابًا خرج يهب حياته لبلاده كي تشرق على غد أفضل معرضًا نفسه للقتل والسحل والسجن كيف له أن يفكر في العمالة والخيانة من أجل دنيا هو ليس حريصًا عليها كحرصه على مستقبل بلاده .

وإن بُهتوا على الرد على تلك الشواهد فسيقولون إن شباب بلادنا لا غبار عليهم، ولكنهم خدعوا وانساقوا وراء دعوات ظاهرها الرحمة وباطنها الخراب .

وهذا أيضًا مردود عليه، ففي مرحلة ما قبل الربيع الثوري عاين الشباب رجال الأنظمة المستبدة وكذلك ظلهم من رجال السياسة المعارضين باسم تلك الأنظمة وعرفوا سبل خلاصهم من مستقبل من سبقوهم من أجيال قتلها الخوف والذل فخرجوا ينادون بالتغيير دون استئذان لأي حزب أو قوة بالداخل والخارج، معلنين أنهم قادة أنفسهم يفعلون ما يؤمنون به وحدهم مرحبين بكل من ينضم لهم من أبناء وطنهم، ولكن المكافأة التي قدمت لهم كانت عروض مختلفة للموت على نفقة بلادنا معنويًا بقتل الأحلام والطموحات والإلقاء بهم في أفران صهر الدُمى لصناعة نسخًا محدثة من أجيال عاشت وماتت في ظل الخوف والقهر وكان الخيار الثاني لمن رفض هذا العرض بأن يكافأ بالتصفية وما أهونه في بلادنا .

4- وأقول لقومي، إنكم رضيتم بالاستبداد وتعايشتم معه واستخدمت عواطفكم وأصواتكم لقتل أحلامنا في رؤية بلادنا بحال أفضل، ولكنكم في الحقيقة لم تقتلو أحلامنا في الحياة فحسب بل حملتم أنفسكم وزر دفع شبابًا كان وقادًا للعمل لصالح بلاده بأن دُفع للبحث عن الموت بشتى صوره .

– يا قومنا، إن الغد ليس لكم حتى تفسدوه علينا -وهي ليست دعوة تمني لزوالكم من عالمنا- ولكنها الحقيقة التي يجب أن تعلموها.

– لقد أفسدتم الماضي والحاضر فلا شأن لكم بالمستقبل الذي ليس لكم فيه نصيب، فلا داعٍ أن ترسموا لنا ملامحه؛ لأنكم لا تحملون سوى ألوان باهتة أتلفها طول الكتمان، وأصبحت بلا بريق ولم يعد فيها ما يصلح كي نرسم به طريقنا .

5- من هنا من السجون أنقل لكم نبض مئات الشباب يقول لكم يا قومنا إن الفرصة ما زالت قائمة لإنقاذ الشباب -المشروع القومي- من الموت البطيء الذى يواجهه هنا في السجون وفي الخارج في السجن الكبيرالذي أصبح يحيط ببلادنا .

– إن الشباب هنا بالسجون ما زال مصرًا على حلمه معلنـًا رفضه أن يخلي مقعده ومكانه من بلاده للعجزة، حتى وهو في السجن أسيرًا لا يكف عن النداء دون استعطاف أو استجلاب لشفقة، ينادي يا قومنا أفيقوا وصححوا المسار وعودوا لجادة الطريق متمسكين بالحرية والأمل.

يقولون لكم: ما زال القلم هنا يكتب على الجدران وفي الأوراق في حب بلاد، وفي تمني رؤية بلاد تمنيناها ولم نرها ولكننا برغم ذلك لن نتنازل عنها، ولم يثننا عن حلمنا آلة قتل أو أسوار سجن، لأنه حلم يأبى النسيان ولم تتمكن الآلآم من التغلب عليهم وأخذ مكانه ولم تفلح مرارة ما تجرعناه في التغلب عليه أو إبداله بغضًا وكراهية .

يقولون: يا قومنا لقد وضعنا في السجون بإرداتكم ومع ذلك تبكون علينا وتنشدون حضورنا الدائم وتأسفون على غيابنا عن محافلكم التي تطلقون عليها أعراسًا ومراحل في خارطة طريق لم ترسموا أنتم ملامحها، فكيف بكم تطالبوننا بأن نزعن لها ونشارك في الخضوع لها .

– يا قومنا: إن الذي تخافون هو ما نخافه على أنفسنا وبلادنا من مهالك وضيعات، ولكن ما نحلم به يجعل من نفوسنا ثمنًا رخيصًا نقدمه لبلادنا، سنبذلها وهي حبيبة إلينا ولكن بلادنا إلينا أحب .

– سنرضى بأن نفنى ونُغيب على رؤية بلادنا وهي كذلك .

– ووقتها ستجدون بلادنا بلا مشروع قومي ولن تجنوا سوى مزيد من الحسرة على ما ضيعتم من فرص علي أنفسكم وبلادكم، ووقتها ستدفعون ثمنًا أغلى مما ندفعه من أعمار وأرواح، وسيظل الفارق بيننا أننا ضحينا بأرواح وأعمار في سبيل غاية ورضا بما نقدم، أما أنتم فستجبرون على التنازل عن المال والإرادة والعمر والنفس بلا ثمن؛ لأنه سيكون مصير بلد رضي أهلها بالذل لمستبد لا يراعي إلا نفسه، ولا يرى إلا ذاته، وكل من يقف في طريق ذلك فمصيره السحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد