بتهمة الانتماء لتنظيم محظور، يقبع المئات من شباب بلادنا خلف الجدران في سجون، يتباهي نظام بأنه يفتتح كل يوم المزيد منها، في مجتمع نسي الانتماء، لا لضعف في إيمانه بوطنه، ولكنه فقد الوطن الذي يجب أن ينتمي إليه.

وكما قال الإمام علي بن أبي طالب «إن الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة»، نجد لتلك المقولة صداها في بلادنا التي أعلنت مؤخرًا عن عزمها منح الجنسية، لمن يدفع ثمنها من الخارج، وعدم ترددها في إسقاط الجنسية عن المخالفين لنظامها في الرأي.

قضية الانتماء تثار يوميًا، والاتهام بالعمالة للخارج أصبح عرضًا مستمرًا لكل مخالف للرأي، ولكل حالم بواقع أفضل، وسريعًا تجد من يتهمك بأنك تريد ـ بطلبك للحرية ـ أن تفكك جيش بلادك؛ لأنك لا تحبه، وترغب في تخريبه، وكأن بلادنا لم تلد وطنيين غيرهم، وكأنهم وحدهم من يملكون الوطنية، ونسوا أن من أشهر من خانوا بلادهم كانوا يعملون داخل تلك المؤسسة التي من شأنها القيام على أمر حماية البلاد، ومنها ما أعلن عنه وترجم في أعمال درامية وقصص بوليسية في أكثر من دولة .

إن الدول التي تغيب عنها الحرية، وما يتعلق بها من مكتسبات وآثار، فإن شعوبها تصاب باللامبالاة، والانطواء على النفس، ويكون وطن كل فرد فيها هو ذاته، وعالمه الخاص، لا يهتم بسواه، ولا يدين بالولاء، إلا له؛ لما حل به من مضار .

– ففي بلاد تغيب عنها الحرية، وتكثر فيها الأزمات التي تضرب الشعوب، دون الحكام، ومن حولهم، يبحث الفرد فيها عن العيش بمعزل عما تعانيه بلاده، غير آبه بمستقبل يصنعه لنفسه، ولمن يأتي من بعده، مهتمًا فقط بكيفية الفكاك من تلك الأزمات، وإن عجز عن ذلك في وطنه، فهو يسعى جاهدًا للبحث عن وطن بديل صامًّا أذنيه عن أي نداء للعمل لأجل البلاد، بدلًا من الهرب منها، كمن ينجو بنفسه من مركب يواجه الغرق، بدلًا من محاولة إنقاذ الآخرين .

– والدول الشمولية التي تدار بالعقلية الاستبدادية، وتحصر خياراتها لدعم النظام وتوفير سبل تحصينه من السقوط، يحرص مواطنو تلك الدول على تركها والسفر لغيرها بشتى الطرق المشروعة قانونًا، وغير المشروعة، وفي بلادنا يفضل الشباب الأخيرة؛ لكونها هي المتاحة، بالرغم من أنها لا تتوقف عن ابتلاع المئات من ضحايا حلم الهرب من الجحيم، ومن ينجح في السفر خارج بلاده، يعقد العزم على العودة مجددًا، إلا محمولًا على الأعناق؛ ليدفن بها .

-ستجد في بلادنا منظرين وقادة فكر، يقولون إن بلادنا ليست في حاجة لهذه العناصر التي لا يتورعون عن وصفهم بالجهلاء أو العملاء متهمين إياهم بأنهم لا يريدون تحمل مصاعب، ومشاقًا، في سبيل بناء الوطن، متغافلين عن واقع مصطنع من قبل أنظمة كرست مقدرات وثروات هائلة لمصالحها الشخصية، وللمقربين منها، ومن يتولون حمايتها ودعم سبل بقائها، انتمائها لمصالحها ومجدها الشخصي فقط.

-أما حال المدافعين عن بلادهم من الاستبداد والمنادين بالحرية، فهم على مواقفهم من الانتماء الخالص لبلادهم، لا يبدلهم القهر والعنف، يضحون بأعمارهم وحريتهم في سبيل رفعة بلادهم، حاملين شعار «بلدي وإن جارت علي عزيزة».

– وهنا في السجون سمعتها كثيرًا من عدد ليس بقليل من الشباب ممن حبسوا بطريق – الخطأ – وطالهم الأذى، مثل من حبس من المنادين بالحرية، ولكنهم لايحملون ما يحمله غيرهم من قدرة على التحمل أكثر في سبيل التحرر، فهناك من عزم دون تردد على السفر خارج البلاد بشتى الطرق فور خروجه من السجن، معلنً أن بلادًا كهذه لم تعد وطنًا للجميع، وأنها بلاد أصبحت حكرًا على فئة تحكم، وأخرى تحمي من يحكم، وثالثة تبارك وتدعم وتنعم بالفتات، ومن معنا هنا لا يريدون أن يكونوا من الأصناف الثلاثة الفاسدة، ولا هم من المنادين بالحرية، ولكنهم يريدون الحرية والتغيير؛ لأنهم أضيروا من غيابها، ولكن لا طاقة لهم على تحمل ما يتعرض له غيرهم، فأعلنوا أنها ليست بلادهم، مهما سمعوا من سباب بحقهم من قبل من لم يعرف المعاناة يومًا ما .

– أماعن بقية من الشباب، فإنه مازال متمسكًا بحلمه في بلاد أفضل، فلن يزيد مكثه في السجون، إلا إصرارًا على الحلم، واستكمال طريق تحرير بلاده، غير آبه بالمتساقطين على الطريق؛ فهو على الطريق ثائر، وإن كان فردًا واحدًا، وإن طال به الزمن، فلن يبدل وطنه .

أما مجتمعنا فلن يجد بين طبقاته بقية من خير تحب بلادها، ولن يجني، إلا مزيدًا من المعاناة المغلفة بشعارات وطنية فارغة من أي معنى لتلك الشعارات، فهي بلاد فرغت من عناصر تميزها، بوضعها بالسجون، واستبقت الثعالب والكلاب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد