سياج دول الاتحاد الأوروبي هذه الأيام العصيبة يستحضر مشاهدا كانت قبل عشرات السنين تدعی التغريبة الفلسطينية.

 

 

 

فمن انتظار سوري علی أمل العودة في دول الجوار إلی بحث عن حياة الإقامة الشبه نهائية خلف جبال الألب، ربما لم تتغير ملامح الصورة الفلسطينية عن الصورة السورية، إلا من حيث المسبب ففي فلسطين عرف العربن بل العالم كله، أن التهجير الفلسطيني من قبل اليهود هو اغتصاب جماعات قادمة من كافة أنحاء العالم إلی فلسطين.

 

 

 

تجمعها رابطة الدين الواحد وتسوغ مبرراتها بأحقية أثبتها الدين لها، وهو ما يعرف بأرض الميعاد كناية عن فلسطين وشعب الله المختار كناية عن اليهود، لكن ما الهدف الممنهج من تهجير السوريين سواء بطريقة مباشرة عن طريق القتل والتدمير لأي منطقة خرجت عن سلطة النظام أو بطريقة غير مباشرة، عن طريق بعث روح الهزيمة والاستسلام في نفوس السوريين من خلال الأطروحات السياسية التي تقول بحتمية رسم خارطة جديدة ديموغرافيا وجغرافيا من قبل الدول العظمی، وكأن لسان حالهم يخبر السوريين (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ).

 

 

ويبقی السؤال أليس الألم السوري ومن قبله الفلسطيني واحد وإن اختلف المسبب.

 

 

 

الحدود متغيرة والعرق ثابت:

لا يغيب عن ذاكرة أي شخص أنه قبل مائة سنة فقط، كان السوريون والفلسطينيون دولة واحدة وكذلك الأمر بالنسبة للعراقيين وغيرهم من العرب، وحتی عندما استعمر العرب من قبل الدول الأوروبية، كانت تلك الدول المستعمرة تنظر إليهم ككل واحد يتفق بالجنس واللغة والثقافة والعقيدة.

 

 

وعلی هذا تم اقتسام أراضيهم، ورسم حدود لها، وطرح نظرية الدول الحديثة التي أنهت عصر الإمبراطوريات إلی غير رجعة، لكن المتابع للأطروحات المتزامنة مع الربيع العربي، والتي تتعلق بإعادة تقسيم الدول العربية ورسم خرائط جديدة يتبين له سقوط نظرية الدولة الحديثة وإمكانية تغير الحدود وفقاً لمتغيرات الزمن والأحداث.

 

 

 

 

فمن العجب المؤسف أن العرب يؤمنون بإمكانية تقسيم المقسم، بل يسلمون له وفي نفس الوقت ينكرون إمكانية الوحدة، بل يسخرون من هذه الأطروحة ويعتبرونها جزء من التراث الذي يصلح لتأريخه لا لتحقيقه.

 

 

سبعون عاماً فقط هي الفاصل بين المحنة الفلسطينية والعراقية ثم السورية ودون أن يتحرك الدول العربية الأخری ساكناً بل علی العكس تمضي القيادة في مصر وهي أكبر قوة عربية إلی المضي في تدميرها اقتصادياً وبشريا ممايجعلها مهيأة لمحنة قد لا تحمد الأيام عقباها فكيف تقر العيون العربية وهي تشاهد هذا التسلسل الزمني للمآسي دولة تعقبها دولة أخری.

 

 

 

كذلك كان حال الأندلس:

كل قارئ للتاريخ لابد أن يمر علی محنة خروج العرب من الأندلس بعد ثمانية قرون مشرقة ، أيضا كانت الأندلس دولة واحدة إلی أن جاء عصر ملوك الطوائف فتقسمت إلی أكثر من عشرين دويلة وبعدها بدأت تلك الدويلات تسقط واحدة تلو الأخری ، فلو أسقطنا الحالة التاريخية الاندلسية علی واقعنا الحالي لتوصلنا إلی ما ستؤول الأمور إليه مستقبلاً.

 

 

 

فمثلاً عند سقوط طليلطة سنة (478ه ) بيد القشتاليين كانت دول الطوائف الأخری تنظر إلی دويلاتها كوحدة منفصلة لن يفكر القشتاليون في مهاجمتها ونظروا إلی محنة أهالي طليطلة كالنظرة العربية هذا الزمن إلی محنة السوريين ، شفقة وحزن دون أن يحركوا ساكناً وكأنهم خارج الحسبان

 

 

 

 

 

 

وما إن توالت السنون حتی بدأت الدويلات الاندلسية تتساقط واحدة تلو الأخری بفواصل زمنية تركتهم مطمأنين البال غير مكترثين لمصيرهم المنتظر مع علم في قرارة أنفسهم بحتمية وقوعه ، فسقطت سرقسطة وأجلي أهلها وبلنسية وقرطبة وأشبيلية وغيرها إلی أن كانت سنة (897ه )هي نهاية الوجود العربي في الأندلس بسقوط غرناطة .

 

 

 

 

لم تكن الأندلس هي المثال الوحيد، بل الحروب الصليبية جسدت الواقع العربي نفسه والمصير نفسه دون اعتبار ولا تحرك ، وهذه الأيام تعيد كرة سالفاتها بنفس الطريقة ونفس الأدوات، فكيف بالعرب وهم يرون الاحتلال الروسي والإيراني الواضح لسوريا ثم كيف سيأمن الجوار السوري علی نفسه بعد هذا الاحتلال.

 

 

وهذا عينه ما قاله الشاعر في سقوط طليطلة وأثبت المستقبل صحة قوله : من جاور الشر لا يأمن عواقبه / كيف الحياة مع الحيات في سفط

 

 

 

 

 

 

فكروا باللجوء إذن :

حري بالدول العربية إن لم تجد في المواجهة أن تبحث لها عن أوطان تلجأ إليها بدلا من مناقشة لجوء السوريين وإمكانية استقبال العرب لهم ، فأيضا كانت سوريا ملجأ للفلسطينيين والعراقيين وهاهي اليوم تبحث عن ملجأ لها مع الذين لجأوا إليها فالعرب مطاردون من ملجأ إلی آخر بينما مفاتيح العودة قد صدأت،

 

 

 

 

 

 

بل صارت أمنية العربي المنكوب أن يعود إلی ملجأه الأول بدلاً من أرضه ووطنه ، وستأتي السنون حكماً ليری العرب أن مصير الفرد هو صورة لمصير الجامعة والذي لايسعی لأطفاء الحريق قبل أن يصل بيته هيهات أن يطفئه وقد التهم جدران البيت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد