الموت يتربص بك في كل مكان، يتأهب لك في كل وقت (كما تتربص بك السعادة أيضًا وتتأهب لك)، يصحبك في طريقك كل صباح أثناء خروجك من بيتك، يختبئ خلف سريرك كل مساء عسى أن يخبر الأرض ذات صباح بأنها سوف تستريح من دبيب أحد سكانها على ظهرها، يشتعل مع المعارك التي تخوضها مع الآخرين لعل أحدهم يصيبك بمكروه وترحل، ينتفض مع الرياح والأمواج العالية التي قد تزعج سفرك في البر أو البحر أو الجو، يخترق جسدك لينهي حياتك بطريقة مؤسفة أو بأبسط الأزمات القلبية المفاجئة، هكذا يزورنا الموت ليختم حياتنا.

إن التفكير في الموت بأي من هذه الطرق أو غيرها لم تسلم منه خواطرنا أو خيالاتنا، وليس في ذلك خطأً؛ لأن الموت جزء من قصتنا الكبرى، ولكن مقدار التفكير في الموت هو الذي قد يحدث خللًا في حياة الإنسان إن كان فيه إفراطٌ أو تفريط، فمن الناس من يسرف في التفكير في الموت، فيراجع كل شيء يفعله أو يأكله أو يركبه من أجل أن يتأكد من أن الموت (أو الخطر) لا يستتر في أحد جوانبه، ويترك بذلك ما في الحياة من إثارة وعجائب ويتفرغ لساعة الموت التي يظنها الآن متى آن كل آن. ومنهم من يفكِّر في الموت فقط لحظات صلاة الجنازة على أحد معارفه أو وقت تشييع جثمانه، وإذا ما عاد إلى بيته نسي ما كان يحذر منه. وأظن أن كليهما مخطئ، فالتكفير في الموت لا ينبغي أن يعطل حياتنا، وليس من الصواب أيضًا ألا نعطي هذا الحدث الجَلَل قيمته، فكيف علينا أن نفكر في الموت إذًا؟

من جانبي أرى أن الموت هو نوم مؤقت بين حياتين، بين حياة العمل وحياة الحساب على العمل. أما «الحياة الأولى» فإنها مُتَّخَمة بالقضايا والمشكلات التي تسحبنا بسحر الجِنيِّات للدخول في دواماتها للمساهمة في أدوار البطولة فيها، فكم من إنسان كره الحرب وتمنى لو توقف الأشرار عن العبث لينتشر السلام، وكم من إنسان أحب أن ينعم أطفال العالم كلهم بطفولة تليق ببراءتهم وضعفهم، وكم من إنسان أراد أن يقتل الفقر (الذي عانى هو منه أو الفقراء) كما لو كان رجلًا باغيًا في الأرض.

ربما تكون (أو تكونين) قد فكَّرت في إحدى هذه الأمنيات التي تخدم الإنسانية، وما دمت حيًا فتستطيع أن تفعل شيئًا من ذلك، ولو قليلًا منه، وتدخل التاريخ، أو تحقق السعادة لنفسك وللآخرين. ومهما واجهتك الصعاب فتستطيع تجاوزها، مثلما رأينا أو سمعنا في التاريخ عن أشخاص سُجِنوا وعُذِبوا (كالصحابة في بداية الدعوة للإسلام) وآخرين واجهوا أمراضًا صعبة (مثل العالم ستيفن هوكينج الذي أصيب بالشلل الكامل)، أو ضربهم الفقر بمطارقه (مثل مشاهير في الفن والرياضة والسياسة في بداياتهم)، ولكنهم جميعًا تكيفوا مع الواقع حتى وصلوا إلى ما يريدون، فرغم كل شيء ما زالت الروح ساكنة في الجسد.

فقط، العقبة الوحيدة التي لا يمكن تجاوزها، والتي يتوقف عندها كل عمل أو نية في العمل أو الإنجاز؛ هي صخرة الموت التي تتحطم عليها كل القوارب المسافرة إلى المستقبل. وقتئذ لن تستطيع مراجعة دفتر أعمالك لترى ماذا ستفعل من أعمالٍ مؤجلة منذ أيام أو عقود؟ ولن يكون في مقدورك تذكُر عمل، ترى أنه سيغير حياتك فتبتسم وتتفاءل بأنك لو فعلته ستكون من أهم سكان الأرض.

لا شك أنك تخشى أن تفوتك تلك اللحظات السعيدة (ونحن أيضًا)، وكما تَقَدَم في بداية المقال أن الموت يتربص بك وكذلك السعادة، فعليك أن تفكر في الموت كتفكيرك في السعادة، في الفرار منه وإليها، عندئذ ستجد أنك من الأولى أن تهب مفزوعًا باحثًا عن السبيل الذي سيوصلك نحو هدفك، عندئذ لن تجد بُدًا من الركوض نحوه كأن زلزالًا قد ضرب مدينتك وأنت تحاول النجاة بكل طاقتك؛ لأنها حياة واحدة وليس هناك تناسخ للأسف كما يعتقد الهندوس، فرَوح عباس العقاد خاصة بعباس العقاد فقط، ولن تحل في جسد «أحمد» أو «بولس» أو «سارة» فيصبحون حكماء مثله، فلكل منا روحه، ولكل منا حياته، ومن فاته الإنجاز فيها فقد سار ترابًا مثل التراب الذي يلتصق بطرف ثيابه أثناء سعيه نحو اللاشيء في الأرض.

أما «الحياة الثانية» فيخبرنا القرآن الكريم بشيء من ملامحها بوصفه لحياة الشهداء في قوله تعالى «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[169] فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [170] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[171]» [آل عمران]. فالمقتول حي ويرزق وفَرِح ومستبشر رغم أنه فارق الحياة. إذًا ثمة مشهد آخر تتوفر فيه الحياة وكذلك السعادة، ألا هو الحياة الأبدية. والتفكير في الموت في هذه الحالة من أجل الحياة؛ أي أن علينا أن نحاسب أنفسنا لننظر ماذا قدمنا لحياة الأبد وللسعادة هناك قبل أن يأتينا الموت فلا عمل بعدها.

ومن أحد التفاسير الرائعة للآية الكريمة «يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)» [الفجر]، قيل: جاء في كتاب الله تعبير (يا ليتني قدمت لحياتي) وليس (يا ليتني قدمت في حياتي) وكأن الحياة الحقيقية والتي ينبغي أن نعد لها في الدنيا هي الحياة الآخرة التي فيها رغد العيش والنعيم المستمر، كما قال النبي محفزًا أصحابه أثناء حفر الخندق «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». إذًا الموت هو الختام للإعداد للحياة الأبدية، والتفكير فيه أمر لا يمكن الزهد فيه، لأنه لم يُبنَ في الأبد إلا داران دار النعيم ودار الجحيم. فالعنوان معروف، ووسائل الوصول أيضًا معروفة، ولكن الموعد لا نعرفه، ولهذا وجب التأهب دائمًا حتى يحين.

وبالأخير، فإن الجمع بين الحياتين يؤدي إلى حياة مثالية لك، فإن شُغِلت بالحياة الأولى وحاولت أن تقدم فيها شيئًا طيبًا للآخرين، فهذا أمر يحسب لك وتكون ابنًا بارًا لهذه الأمة الكليمة وللإنسانية الفقيدة. وإن شُغِلت بالحياة الثانية فستعمل من أجلها كل عملٍ صالح و«الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ(29)»]الرعد[، وستصبح فردًا صالحًا في العالم، وتكون الأرض قد اطمأنت بأن لن تضيف فردًا جديدًا في قائمة المطلوبين (الأشرار) الطويلة، بالإضافة إلى إشراق قائمتك التي بين أيدي الملائكة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد