كان بطرس الأكبر مصلح روسيا الكبير يدرس في هولندا، وكان يرى عمران هولندا ورقيها وتقدمها ويحزن على خراب روسيا وانحطاطها. وكان يفكر في كيفية نهضة بلاده لكي تصبح مثل هولندا. وفجأه اكتشف أن السبب الرئيسي وراء تقدم الهولنديين هو أن الرجال الهولنديين رجال متحضرون لأنهم يحلقون لحاهم بالموسي كل صباح ويعطون للنظافة الشخصية أهمية كبيرة في حياتهم. وعلى العكس فإن سبب تأخر روسيا هي اللحية الطويلة المدلاة حتى السرة، بل إنها كانت تصل إلى الركبة، وبناءً عليه عندما عاد إلى وطنه ووصل إلى كرسي السلطة أصدر الأوامر بأن تُجتث هذه اللحى الخائنة عدوة الشعب من جذورها، وبدأت الحركة واستخدم فيها كل أساليب القمع المتاحة، وأطلق جنوده في الشوارع والميادين للقبض على كل صاحب لحية، وكان الجنود يقبضون على كافة الرجال باختلاف وظائفهم ومكانتهم الاجتماعية في القري والمدن وشملت البلاد بطولها وعرضها. واشتعلت نيران «ثورة اللحي» في البلاد حتى انتصرت الثورة أخيرًا، واجتثت اللحى، ولكن لم يتغير شيء!

هذه القصة كأنها تصف حال نخبتنا العربية اليوم، هم في الحقيقة مقلدون وليسوا مفكرين كما يصفهم البعض فهم ينظرون للشكل ولا ينظرون للمضمون. ظن هؤلاء أنه بمحو حضارتنا وتاريخنا وديننا ثم بتقليد الغرب واتباعه سنصل إلى التقدم والرقي كما وصل الغرب إليه، ظنوا أن تقليد الغرب في الزينة والملبس والمشرب والاستهلاك والعادات والتقاليد وأسلوب الحياة دون تمييز هو سبب التقدم والرقي!، فهل مثلًا عندما تخلع المرأه حجابها أو لباسها القومي وترتدي «الميني جيب» سنتقدم؟ هل يصح أن نُسمي هؤلاء حقًا مفكرين أم مقلدين؟

«التقليد والتظاهر والتشابه» يجعلك فاقدًا لوجودك وهويتك، لأن الرجل الأوروبي أقنع هؤلاء أنه هو الشكل الوحيد للحضارة والثقافة، وأنكر كل الحضارات والثقافات الأخرى، ونسي هؤلاء المفكرون أننا أيضًا أصحاب تاريخ وحضارة أنارت العالم عندما كانت أوروبا في ظلام حالك. يظن البعض أن هناك تضادًا بين هؤلاء المفكرين وبين السلفيين، ولكن في الحقيقة هم متشابهون وهم مقلدون، فالأول يقلد الغرب والآخر يقلد الماضي، لذلك من الأفضل ألا نصفهم بالمفكرين ويكون الوصف الصحيح لهم هو المقلدون أو المهرجون.

نحن لسنا ضد التقدم ومواكبة الحضارة ولكن نحن ضد التقليد الأعمى وضد محو هويتنا وثقافتنا لكي نقلد الغرب كالقرود، ولكن علينا أن نأخذ منهم ما هو مفيد وما هو مناسب لحضارتنا وديننا.

النخبة والشعوب

المفكر الحقيقي هو الذي ينير الطريق للشعوب، هو الذي يساعد على زياده الوعي للشعوب ثم يتركها لتتحرك وتقرر مصيرها بنفسها، ولكن هؤلاء أفسدوا فكر الشعوب وحددوا لها طريقها، واستغلوا جهل الشعب باللعب في عقولهم، لعبوا في عقولهم لدرجة أن قالوا لهم إن الاستبداد والديكتاتورية أفضل من الديموقراطية إذا جاءت بتيارات ذات خلفية دينية، على سبيل المثال قالوا لهم إن الأمن أهم من الحرية، قالوا لهم عن الأعداء أصدقاء وعن الأصدقاء أعداء، أقنعوهم بأن ثوراتهم وربيعهم العربي فوضى وتخريب بل جعلوهم يترحمون على العهود السابقة من الاستعباد والذل والفساد، أقنعوهم أن كل ما ضد الأنظمة هم إرهابيون وخونة وعملاء ضد الوطن ومصلحته، هؤلاء نخروا كالسوس في عقول الشعوب حتى أوصلونا لما نحن فيه، هؤلاء اختاروا أن يكونوا أبواقًا للمستبدين لخدمة أهدافهم ومصالحهم على حساب شعوبهم. وعلى الشعوب أن تبحث عن طريقها بنفسها وأن تفكر لنفسها وأن تتحرك وتبتعد عن هؤلاء المقلدين الفاسدين، عليهم أن يطردوا هذه السموم من عقولهم وأن يبدأوا رحلة البحث عن الحقيقة ولا ينتظرون العون من أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

العودة الي الذات
عرض التعليقات
تحميل المزيد