إن هذا الكون قد وضع على أسس ونواميس ثابتة منذ الأزل، من أهمها الحركة الدائبة التي لا تتوقف، فكل ما يحيطنا في تغير لحظي مستمر مع مرور الزمن، وهكذا فإن أواخر الأشياء غالبًا ما تكون مغايرة تمامًا لما كانت عليه أوائلها، وتبعًا لهذا التغيير الذي يطول الكون تتغير قناعاتنا وأفكارنا ومعارفنا وتصوراتنا للأشياء، وإن اللبيب من يستطيع إدراك منقلبات الأمور بفكره – انطلاقًا مما تلقاه من معارف أو مما مر عليه من تجارب – قبل أن يمكنه مفعول الزمن من إدراكها، وحينها لن يكون هناك مجال للاستدراك. إن هذا التفكير والذي يمكن تسميته بالتفكير العكسي هو الأوالية mécanisme   الأساسية التي نستطيع من خلالها رؤية الأشياء على حقيقتها الفعلية. لكن كيف ذلك؟

في سنة 1972 قام عالم النفس walter mischel من جامعة stanford بالتجربة المشهورة والمعروفة باسم marshmallow experiment حيث وضع مجموعة من الأطفال (600 تقريبًا) وتم منح كل طفل قطعة حلوى وتخييرهم بين أكلها في الحال أو الانتظار لمدة 15 دقيقة، حيث تبقى الحلوى أمامه وفي متناوله، فيحصل على قطعتين إضافيتين، العجيب أن الأغلب اختار الخيار الثاني، غير أن القليل منهم من استطاعوا مقاومة رغبتهم في التهام الحلوى خلال المدة. لم تتوقف التجربة عند هذا الحد، فلقد تم تتبع هذه الحالات بعد سنوات طويلة حيث وجد الباحثون أن الأطفال الذين تمكنوا من مقاومة الرغبة قد حققوا نجاحًا في حياتهم الدراسية والمهنية، بينما العديد من الذين فشلوا في هذه التجربة أغلبهم لم يحققوا ما حققته الطائفة الأولى، بل إن بعضهم سلك طريق الانحراف (مخدرات، إدمان…).

    الشاهد من هذه التجربة أن الفئة التي تمكنت من كبح جماح النفس ومقاومتها، كانت تركز خلال هذه المدة (15 دقيقة) على آخرها والذي سيحصلون فيه على قطعتين إضافيتين تركيزًا أشد من تركيزها على اللحظة الآنية التي ترى فيها قطعة الحلوى اللذيذة. وهذا ما يمكن تسميته بالتفكير العكسي، أي أنك عوض أن تسير في تفكيرك، في كل المسائل التي تعرض لك في الحياة، السير العادي وفق اتجاه الزمن  وسرعته وترتيبه؛ عليك بهذا التفكير المعكوس، فتنطلق بذلك من آخر نقطة وهي النهاية ثم تسير سيرًا معاكسًا حتى لحظتك الراهنة. وبهذا تستطيع تكييف ظروفك وحركتك مع الطريق التي توصلك إلى مبتغاك، وهذا يشمل الناحيتين الخاصة والعامة الكلية. إن الطالب الذي يركز تفكيره انطلاقًا من أول يوم له في الدراسة على آخرها والذي يخصص لفترة الامتحانات غالبًا ما يجد ويجتهد ويحصل نتائج إيجابية، وكذلك الشأن بالنسبة للذي غمرته رغبة غريزة جنسية أو انحراف فإنه إذا قلب التفكير فبدأ من النهاية لا شك أنه سيشعر بالاشمئزاز حين تذكره حاله بعد ركود الهرمونات.

      لقد فطن العلم الحديث إلى هذه المنهجية في التفكير، حيث إن دروس التنمية الذاتية واستراتيجيات التغيير التي يعتمدها المعدون النفسيون تعتمد بشكل كبير على تمرين الشخص على خلق هدف في الحياة والتركيز عليه وهو شيء ضروري لتحقيق السعادة والاطمئنان النفسي، وعندما نتحدث عن الهدف فإننا نتحدث عن آخر الطريق بشكل أو بآخر.

   أما من الناحية الكلية، فإن هذه المنهجية في التفكير ضرورية أيضًا، فلكل منا مشروع كلي شامل وهو مشروع الحياة، ومعلوم أن الحياة تنتهي بنقطة اسمها الموت، ولذلك فعلى من أراد أن ينجح في مشروعه الكلي الذي يحدد مصيره ما بعد الموت، عليه أن ينطلق في التفكير فيه ابتداء من آخر حلقة وهي الوفاة ثم يرجع بالزمن إلى حين لحظته، فيكيف كل حركاته وسكناته مع ما ينسجم وما صوره لنهايته.

   يقول «ستيف جوبز» في خطابه المشهور في جامعة «ستانفورد» كلامًا نابعًا من تجربة طويلة ناجحة في المجال المهني تلتها تجربة مرة مع مرض السرطان يقول «تذكري أني سأموت قريبًا هو أهم شيء ساعدني لاتخاذ القرارات الكبيرة في حياتي» كما قال إن أكثر جملة أثرت في حياته كلمات قرأها وهو في ريعان شبابه تقول «إذا عشت كل يوم كآخر يوم في حياتك، في يوم من الأيام سوف تكون على حق».

   أما بالنسبة لنا نحن المسلمين، فغريب أن ننتظر القرن الـ20 أو الـ21 لنعلم أن هذا التفكير ضروري، فقد كانت هذه منهجية ثابتة في خطاب الوحي، قرآنًا وسنة، فغالبًا ما ربطت الآيات بين أعمال الإنسان وجزائه، وعدًا ووعيدًا، حيث لا تكاد تخلو صفحة من المصحف من التذكير باليوم الآخر، بل إن آخر آية نزلت من القرآن (على الأرجح) كانت «واتّقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون» البقرة 281، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على التركيز على خواتم الأمور وكثرة ذكر الموت باعتباره نقطة نهاية الحياة، فقال صلى الله عليه وسلم «أكثروا ذكر هادم اللذات… الحديث» رواه الترمذي.

     وهكذا فإن التفكير بنهايات ومنقلبات الأمور يجعلك ترى الأشياء على صورتها الحقيقية التي ستغدو إليها آخرًا، على عكس النظرة الصورية التي يراها أغلب الناس، بل وربما لا يعيرها اهتمامًا إلا حين الوصول إليها، فيصبح يقلب كفيه ويقول يا ليتني قدمت لحياتي، يا ليت الشباب يعود يومًا. وهيهات هيهات أن يعود ما أفناه الدهر. اعكس تفكيرك لتعرف وجهتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد