لم يَعُد مقبولًا أن يقتصر دور المحاضر الجامعي على تقديم حلول للمشكلات، والمسائل، والقضايا؛ بل ولم يعد كافيًا أن يقتصر دوره على دفع الطلبة للتفكير في الحل؛ لأن دورًا أرقى ينتظر المعلم والمتعلم، ويُعدُّ نتاجًا لعملية التعلّم الفعال، وهو تصميم طريقة التفكير الموصلة للحلول، وتمكين الطلبة من المشاركة في تصميم تلك الطرق، وتحفيزيهم للتفكير في التفكير Thinking about thinking.

إن من أعلى مستويات التفكير، أن يُفكّر الإنسان في تفكيره، بمعنى أن يُخطط ويُراقب ويقوّم تفكيره في حلِّ المشكلات بشكلٍ مستمر، وهو ما يُعرف بنظرية “ما وراء المعرفة” Metacognition .

 

صناعة الصنارة

إن التعلّم المعتمد على “ما وراء المعرفة”، لا يقبل بمستوى “أن تطعمني سمكة”، ولا حتى بمستوى “أن تعطني صنارة”!، بل بمستوى “علمني كيف أصنع الصنارة”، وهي مرحلة متقدمة في الفهم والإدراك، لا تتيح للمتعلم فقط امتلاك أدوات التعلّم؛ بل أيضًا تعلم كيفية امتلاك تلك الأدوات لتصبح ملكه وبحوزته، وتساعده على الوصول على الحلول لمواقف ومشاكل علمية مشابهه.

إن المستوى الراقي المتعلق بالمشاركة في تصميم طرق التفكير، قادر على إزالة حاجز الخوف أمام الطالب/ـة لمواجهة أي مشكلة علمية، وستمكّنه من الوصول للحل في كل مرة مهما اختلفت معطيات المشكلة العلمية.

 

نشأة النظرية

وقد يكون مفاجئًا للقارئ العربي والمحلي الفلسطيني أن مفهوم “ما وراء المعرفة” Metacognition ظهر عام 1976م، على يد ( (Flavell، كواحدة من التكوينات النظرية المعرفية المهمّة في علم النفس المعاصر، ولقِيَت اهتمامًا ملموسًا على المستويين: النظري Theoretically والتجريبي Empirically وقد أجرى عليها (Brown) تطبيقاتٍ متعددةً في مختلف المجالات الأكاديمية، وتوصَّل من خلال هذه التطبيقات إلى الأهمية البالغة لدور كلٍّ من المعرفة، وما وراء المعرفة في التعلّم الفعال.

 

مهارات ومراحل النظرية

وتتمثل مهارات “ما وراء المعرفة” Metacognition في: التخطيط، والمراقبة والرصد، والتقييم، ويشير Flavell)) أن تعلم مهارات ما وراء المعرفة تمر بالمراحل الأربعة التالية:

المرحلة الأولى: تركز على إثارة الدافعية لدى المتعلم من خلال المثيرات التي تعرض عليه لتوفير الفرص له للتوصل لأفضل وسيلة لإنجاز المهمات المطلوبة منه.

المرحلة الثانية: توجيه المتعلم لما سيقوم به، ويتم ذلك بطريقتين: الأولى بوجود نموذج يلاحظه المتعلم، والثانية باعتماده على تجربته الذاتية.

المرحلة الثالثة: تطوير قدرة المتعلم على التحدث إلى الذات, لتمكين الفرد من فهم العمليات المعرفية ولتطوير مهارته عن طريق الممارسة, مع نقل هذه المهارة إلى مواقف جديدة.

المرحلة الرابعة: توظيف العمليات المعرفية بطريقة آلية وفعالة، لتخدم مواقف ومشكلات مشابهة في المستقبل.

 

إستراتيجيات النظرية

ليس هناك إستراتيجيات خاصة بنظرية “ما وراء المعرفة” Metacognition، حيث إنها تعتمد على إستراتيجيات التعلّم الفعال أساسًا، والتي منها على سبيل المثال وليس الحصر: العصف الذهني، خرائط المفاهيم، التساؤل الذاتي، التفكير بصوت عالٍ، التعليم التعاوني… إلخ؛ لكن ما وراء التعلّم لا يستخدم تلك الإستراتيجيات في الوصول للمعلومات كما هو حاصل في التعلّم الفعال؛ إنما في جعل الطالب/ـة يُفكر في تفكيره، بمعنى آخر في التفكير بطرق الوصول للحل.

إن كلّ معلم يمكنه أن يُعد نموذجًا خاصًا بالموضوع الذي يريده سواء أكان إنسانيًّا أو طبيعيًّا، ويبقى الاتفاق بين جميع النماذج في أنها تحقق رؤية ما وراء المعرفة وهي التفكير في التفكير، والقدرة على إيجاد نموذج قابل للتعميم.

إن نظرية “ما وراء المعرفة” Metacognition تتعدى عمليات التفكير الأساسية: المعرفة والاستدعاء، والملاحظة، والمقارنة، والتصنيف، والتلخيص، والتقييم، وكذلك تتعدى عمليات التفكير المركبة: حل المشكلات، واتخاذ القرار، والتفكير الإبداعي، والتفكير الناقد، حيث إنها تستخدمهم جميعًا في الوصول إلى مرحلة “ما بعد المعرفة”، وهي عملية إعداد نموذج التفكير للوصول لحل المشكلة والمشكلات المشابهة لها في المستقبل، أي هي عملية التفكير في التفكير.

 

من الباب للباب

وهناك ضرورة لإشراك البيئة المحيطة بالطالب/ـة في عملية التحفيز على “ما وراء المعرفة” Metacognition، وذلك من خلال الإستراتيجية الإعلامية المسماة “من الباب للباب”، أي الإحاطة بالطالب/ـة من كل الجوانب بدعوات التفكير، وبالأسئلة المستفزة للتفكير بشأن طرق التفكير، مثل: “ما هدفك؟”، “هل ما تقوم به يعمل بشكل صحيح؟”، “هل هذه الإستراتيجية هي الأفضل للمهمة؟”، “هل تعمل خطتك كأفضل ما يمكن أن تكون عليه؟”… وعناصر البيئة في المؤسّسة الأكاديمية التي يمكن أن تشارك في ذلك:

  • اللوحات الجدارية الورقية والإلكترونية في القاعات، وصالات الانتظار.
  • المطبوعات الورقية للمؤسّسة.
  • الموقع الإلكتروني، والإعلام الاجتماعي للمؤسّسة.
  • الخطاب الشفهي الموجه من قبل المؤسّسة.

إن نجاح نظرية “ما وراء المعرفة” Metacognition بوجهة نظري يعتمد على قدرة المؤسسة التعليمية سواء كانت جامعية أو غير ذلك، على جعلها أسلوب حياة لدى المعلم والطلبة، بحيث تصبح حوارًا يوميًّا مستمرًا لتعزيز التفكير في التفكير، وهو ما سيخلق بيئةً متكاملةً وشاملةً ومستمرةً لفلسفة “ما وراء المعرفة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد