يعد التفكير من أهم الوظائف التي يؤديها العقل البشري، كما يعد من منظور إسلامي فريضةً من أهم الفرائض التي أمر الله عز وجل بها الإنسان، وتشير معاجم اللغة العربية إلى أن التفكير هو إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها، وقد جاء الأمر بالتفكير في القرآن الكريم بألفاظ متعددة تفيد بعمومها وجوب إعمال العقل وبذل الجهد الفكري للوصول إلى الحقائق وإيجاد الحلول لمشكلات الواقع، حيث ورد التفكير في 18 موضعًا من القرآن الكريم، وهي وإن جاءت بصيغة الماضي والمضارع فإنها تفيد الأمر، كقوله تعالى «أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ» [الأنعام: 50] كما جاء الأمر بالنظر وهو النظر العقلي «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» [يونس: 101]، كذلك الأمر بالتدبر «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» [محمد: 24]، والبصر بمعنى التبصر والتفكر «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ» [آل عمران:13] كما ورد الفقه بمعنى الفهم والتفكير في 20 موضعًا من القرآن الكريم كقوله تعالى «قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» [الأنعام:98]، كما أمر الله، عز وجل، بالاعتبار من الأمم السابقة «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ» [الحشر: 2]، وهي عملية عقلية تعني أن يستنتج العقل أسباب زوال الأمم السابقة للوصول إلى سنن الله، عزو جل، ثم القياس عليها، ومعنى الاعتبار هو أن تكرار الأفعال ذاتها سيؤدي إلى النتائج ذاتها.

فكل هذه الألفاظ التي تدل على التفكر والتدبر والتأمل جاءت في معرض الحض على التفكير، والحذر من تعطيل العقل أو تقييده، ولذلك فمن المهم أن نشير إلى أهم الأمور التي تقيد العقل وتحد من نشاطه وتعوق التفكير وهي:

1- البيئة المحيطة «العرف»:

تفرض البيئة المحيطة على الإنسان جملة من المبادئ والقيم التي تسهم بشكل كبير في تكوين شخصيته وسلوكه، حيث ينشأ عليها وتصبح جزءًا منه دون أن يكون له فيها رأي ولا اختيار، كما يفرض عليه العرف مجموعةً من العادات التي تتحول إلى قيود تمنع الإنسان من التفكير، أو تشكل حدودًا يقف العقل دونها باحترام، وأحيانًا يضفي عليها نوعًا من القداسة والتعظيم، ولذلك فمن الملاحظ اختلاف أنماط التفكير باختلاف البيئة والمكان الذي ينشأ فيه الإنسان، وعلى سبيل المثال فعندما نقرأ في سير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، نجد أن جوهر المشكلة بينهم وبين المعارضين لدعوتهم ليس ما تحمله دعوة النبي من أفكار ومعتقدات جديدة، وإنما هو الخروج عن المألوف الذي ورثوه عن الآباء والأجداد،

«وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» [الزخرف: 23]، «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ» [المائدة: 104].

وتبين كتب السيرة النبوية أن هذا الأمر كان جوهر المشكلة بالنسبة للمشركين في مكة، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، «يسفِّه أحلامهم ويدعوهم إلى ترك دين آبائهم وأجدادهم».

وقد جاء الإسلام ليضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وهذه الأغلال هي عادات اجتماعية فرضها العرف وقدَّسها العقل حتى أصبحت عائقًا أمام التفكير، وحجبت عنه نور الحقيقة، ومن هنا فمن الضروري أن يحذر الإنسان لكي لا يقع العقل رهين عادات تحجر عليه وتمنعه من التفكير.

2- السلطة الدينية:

من المعلوم أن التدين حاجة فطرية عند الإنسان، ولذلك فعندما لا يهتدي إلى الدين الحق يبحث لنفسه عن آلهة يخضع لها، تلبي حاجته الفطرية وتملأ فراغه الروحي، وقد كان وما يزال الدين أحد أهم وسائل السيطرة على تفكير الناس والتحكم بعقولهم، حتى ادعى بعض الملوك الألوهية لإحكام سيطرته وتمكين ملكه، كما فعل فرعون مصر «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي» [القصص:38].

ومع أن الإسلام يحرر العقل ويدعوه إلى التفكير ويلغي الواسطة بين العبد وربه، إلا أنه وعبر تاريخه الطويل ونتيجةً لاتصال الثقافة الإسلامية بغيرها من الثقافات من خلال الدعوة والفتوحات والحروب، فقد راجت بعض الأفكار التي تصادر العقل وتعطل وظيفته، وتدعو إلى اتباع أصحاب السلطة الدينية دون تفكير ولا اعتراض، فراجت بين أتباع بعض الطرق الصوفية مقولات مثل «ينبغي أن يكون المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل» ومقولة «أطفئ سراج عقلك واتبعني»، وما زال البعض يردد إلى اليوم من خلال الأناشيد «سلم الأمر إلينا فنحن أولى بك منك»، وهذه المقولات وغيرها الكثير تشكِّل ثقافة تبني علاقة المريد بشيخه على أساس القدسية والاتباع المطلق، بل يعتقد البعض أن شيخه يراقبه ويكشف أسراره مهما بعدت بينهما المسافات.

ومن ناحية أخرى لا يخفى ما يقوم به الحكام من تطويع الدين، وتسخير بعض رجاله ومؤسساته لحماية نفوذهم وتبرير أعمالهم وسياساتهم، مما يجعل وقوع العقل تحت تأثير رجال الدين من أخطر أنواع السيطرة حيث يتحول الأمر من مجرد قناعة إلى عقيدة يمكن أن يموت المرء أو أن يَقتل من أجلها.

3- الإعلام:

تمارس بعض وسائل الإعلام أحيانًا دور السحرة، فتظهر الأحداث على غير حقيقتها، أو توظفها للوصول إلى نتائج معينة، وعلى سبيل المثال فإن تعويم تيارات الغلو التي ظهرت أثناء الحرب الجارية في سوريا من قبل بعض وسائل الإعلام، رآه مؤيدو هذه التيارات انتصارًا لها ودعمًا للثورة السورية على نظام الحكم هناك، لكنه أدى في الحقيقة إلى الترويج لدعاية النظام السوري أن حربه ليست على الشعب السوري، وإنما هي حرب على الإرهاب، كما أدى إلى ضياع الهدف وخلط الأوراق والتشتيت الذهني والفكري للشعب السوري، حيث عمدت هذه التنظيمات إلى نقل الشعب من التفكير بالحرية وتحقيق أهداف الثورة إلى الغرق في الأيديولوجيا ومسائل الاعتقاد والردة والدين.

ولذلك فمن المهم تحصين العقل من الوقوع تحت تخدير وسائل الإعلام من خلال تحليل الحدث، والبحث عن تفاصليه في مصادر متعددة، والإحاطة بحيثياته، وإدراك بعده السياسي والجغرافي والاجتماعي، كما أن من المهم حماية العواطف من الانجرار وراء إصدارات ومقاطع حماسية تصور بطولات لتنظيمات قتالية، دون معرفة من يقف وراء هذه التنظيمات، ومن ينشر تلك الإصدارات.

4- السلطة السياسية:

تميل النفس البشرية بطبيعتها إلى اتباع الأقوى، ولذلك يقع العقل البشري تحت تأثير دعاية السلطة السياسية، فتتحول الدعايات إلى قناعات لدى الشعوب يتحركون بناء عليها، وعلى وجه الخصوص تلك الدعايات التي تلامس مشاعر الجماهير وتحرك عواطفهم، كما يفعل بعض الحكام في الدفاع عن القضية الفلسطينية أو الانتماء للقومية العربية أو مواجهة العدو الصهيوني، وتعيش الجماهير نشوة الدعايات السياسية المعلنة، بينما يتوقف العقل عن التفكير بحقائق الأمور، كما أن التسلط والاستبداد الذي يمارسه البعض من أهم عوائق وموانع التفكير، التي تقتل الإبداع، أو تدفع العلماء إلى الهجرة.

5- مناهج التعليم:

عندما ننظر في مناهج التعليم الحالية وتقسيم المراحل الدراسية ندرك أنها أصبحت قديمة بما يكفي للبدء بعملية تطوير شاملة، والبحث عن البدائل المتاحة، فمناهج التعليم الحالية تقولب العقل البشري وتدفعه للتفكير في تخصص واحد واتجاه معين، وبينما يحفظ الطالب الكتب يبقى أميًّا في مدرسة الحياة، حيث تأكل المراحل الدراسية عمره فيمضي عشرين سنة من حياته على مقاعد الدراسة، ليتخرج بعدها بكم من المعلومات التي يمكن أن يحصل عليها خلال نصف هذه المدة، كما أن أغلبها لا يتجاوز الإطار النظري الذي لا يعود إليه ولا يحتاجه بعد الانتهاء من الامتحان، وفي كل عام يتخرج الآلاف من الشباب الذين لا يجدون الوظائف ولا يجيدون شيئًا غير القراءة، فيكرِّس التعليم المشكلة بدلًا من أن يسهم في حلها.

إن تفادي هذه المعوقات وتحرير العقل منها يجعل الإنسان أكثر وعيًا بالحياة وأكثر قدرة على أداء دور نافع فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد