في جلسة ودية بيني وبين أبي بعد أن قص علي فيها مشكلة عويصة وقع بها أحد أصدقائه، دار الحوار التالي:

أنا: وصاحبك ده يا بابا بيتعايش إزاي مع كل المشاكل اللي عنده دي!

بابا (وبكل بساطة وتلقائية): مابيفكرش.

أنا: إزاي يعني؟

بابا: زي ما بقولك كده لو فكر حيحصله حاجة أو حيموت.

دار هذا الحوار منذ عدة سنوات ولكني أتذكره جيدًا حتى الآن. فإجابة أبي – آنذاك – كانت بالنسبة لي غير منطقية بالمرة فكما ذكرت في مقالي السابق* «إن العقل ليس ماكينة يمكن أن تعمل أو لا تعمل حسب أهوائنا».

لكن لم يكن هذا السبب الأوحد لعدم اقتناعي بما قاله لي أبي، بل كان هناك سبب آخر وهو إيماني الشخصي بأن كل مشكلة ويوجد لها حل، كل ما يتطلبه الأمر فقط أن يعمل الشخص عقله بأقصى طاقته وبصورة جيدة حتى يتمكن من إيجاد حل لأي مشكلة ولا يستسلم أبدًا.

بعد سنوات من هذه الواقعة أريد أن أعترف أني كنت مخطئًا، فما فعله صديق أبي كان هو أفضل ما يمكن فعله في مثل هذه الظروف.

الحقيقة أن عقلنا ذو قدرة محدودة جدًا، لكن تقع المشكلة عندما ننسى هذه الحقيقة ونتوهم أن عقلنا هذا يستطيع حل كل شيء، ويستطيع مجاراة الدنيا بكل ما يحدث فيها. بل ويزداد هذا الإحساس عندما يؤمن المرء أنه ذكي وقد يكون ذكيًّا بالفعل ولكنه لا يعلم حدود ذكائه، أو أنه يعلمها ولكن لا يعرف أن الذكاء ليس حلًا لكل شيء مما يوهمه بأنه سيستطيع حل أي معضلة وكل ما عليه أن يركز جهدًا ووقتًا أكبر لحل هذه المعضلة.

لكن النتيجة في كثير من الأحيان لا تنتهي بإيجاد الحل إما لصعوبة الأمر أو تعقيده، أو لحكمة أخرى يعلمها الله عز وجل. فماذا يحدث في هذه الحالة؟

بعد وقت من التفكير في أمر – أو أمور – ما دون توقف، يطغى التفكير على العقل ويصبح العقل خارج سيطرة وإرادة الشخص نفسه. فيعمل عقله دون توقف على حل المشكلة أو المشاكل التي تحيط بالشخص، مما يؤثر عليه سلبيًا في جميع أموره في الحياة، فنجد أن الشخص هذا أصبح ضعيف التركيز في كل شيء فعقله أصبح دائمًا مشغولًا بأمر ما حتى وإن لم يدرك هذا. بل وأعتقد أن العقل يظل مشغولًا حتى في فترات الراحة بل وفي أثناء النوم فينام جسد الشخص بينما لا ينام عقله.

من هنا أصبحت أعي جيدًا حكمة عدم التفكير ، فبالفعل لن يستطيع الإنسان إيجاد حل لكل شيء يواجه، وهناك الكثير من الأمور تطلب من الإنسان أن يتعايش معها أو يتناساها فهي أكبر منه ومن قدرات عقله. كل ما عليه أن يحدد في بداية الأمر المشكلة المحيطه به وما إذا كانت قابلة للحل أم لا. وإذا لم يكن متأكدًا فليحاول ولكن لا يتمادى في إرهاق نفسه وعقله بما لا يقدر عليه.

أما إذا كان على الإنسان التفكير للاختيار بين أمرين فليعمل عقله للمفاضلة بينهما أولًا ولكن بمقدار فمهما بلغ ذكاؤه ومقدار ما يستطيع بذله من مجهود للتفكير والاختيار، تظل بعض عوامل الاختيار مبهمة، فهي قد تكون غيبيات يتوقعها المرء لكنه لن يصل بها لمرحلة اليقين، وبالتالي قد يصيب أو يخطئ، أي إنه يجب أن يعمل عقله بحدود معرفته ولا يغره ذكاؤه في ما هو أكثر من ذلك.

أنا لا أدعو هنا إلى التواكل ولكني أدعو إلى أن يرحم كل منا نفسه ولا يحمل نفسه بما لا طاقة لها به، فقط يعقلها ويتوكل.

المقال السابق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد