كم من النقاشات التي تحدث حولنا، ويكون لها طرفا نقيض أو عدة أطراف متباينة الرأي، يتحول فيها الحوار إلى سب واتهامات جاهزة حسب موضوع النقاش، فمثلًا في مسألة وجود إله؛ إذا كانت هناك مناظرة بين مؤمن متدين ومتشكك أو ملحد، يبدأ أحدهم في طرح شبهات الآخر، ويرد الآخر بالأسلوب نفسه، وهكذا، إلى أن يكون نتاج الحوار سلبيًا، قد يرى المتدين الملحد منحلًاّ أخلاقيًّا يريد الزنا وشرب الخمر، وغيرها من المحرمات الدينية؛ لذلك يتبجح مع الله، ويرى الملحد المؤمن شخصًا لا يعمل عقله، متدينًا بالوراثة، ومتعصبًا يعيش في الجاهلية، يريد أن يستلب الناس حرياتهم، وبالطبع كلاهما يكون متمسكًا برأيه ومقتنعًا به، ولا يتنازل لإعادة النظر في موقفه، بل يريد إقناع غيره بما وصل إليه من نتائج، ونقطة الصدام والمشكلة هنا هي منطق الحوار المستخدم، والذي يحوي بداخله مغالطة تفسد أي نقاش، كلاهما يرى أنه على صواب وهذا طبيعي، لأن كلاهما بنى معتقداته الجزئية على مقدمات كلية مختلفة، فمثلًا المتدين المسلم يبني معتقداته على مقدمات الإيمان بالله ورسوله والالتزام بتعاليم الدين – أو فهمه لها – وقد يكون هذا الفهم يرى ألا يجوز السؤال في هذه المسلمات من الأساس، بينما المتشكك أو الملحد لا يبدأ من حيث انتهى الآخرون، بل يسعى –إذا كان صادقًا– إذا كان متشككًا إلى السؤال عن حقيقة وجود إله، وصحة الرسالة، وغيرها من الأسئلة، أو إذا كان ملحدًا فهو ينفي وجود إله حسب منطقه، وبالتالي يكذب الدين، ولأن العاطفة قد تسوقك إلى الاعتقاد بكل ما ينتمي لمعتقدك دون تفكير نقدي، وإذا كان كلاهما يعتقد أنه على صواب حسب مقدماته، فهل هذا حقيقي؟! أي مطابق للواقع، لكي نقترب من الإجابة يجب أن يكون النقاش في منطق هذه المقدمات وصحتها، وأن يكون هذا المنطق متفقًا عليه، وفي رأيي هذا ما يجب أن نسعى إليه ونشجعه، لكي يكون هناك لغة حوار مشتركة قادرة على أن تجعلنا نتفاهم تفاهمًا منطقيًّا ونقديًّا محترمًا، وإذا ثبت صحة أحد المعتقدين –حسب صحة مقدماته- أو العكس، يكون هناك احترام لهذا المشترك الإنساني واتباعه، وليس بالضرورة أن يكون الحوار في قضية شائكة كلية مثل وجود الإله من عدمه، قد لا تقبل الرأي الوسط، يمكن أن نستخدم هذا في كل حوارتنا اليومية، فلسفية وسياسية واجتماعية وغيرها.

بعد هذه المقدمة التي تعطي مثالًا على طريقة التفكير أو الطرح الذي يؤدي إلى الصدام، لننتقل إلى عدة أسئلة: ما ماهية هذا التفكير النقدي أو المنطقي وسماته وأساليبه؟ وهل هو متأصل فينا أم مكتسب؟ وما يمنعنا عن ممارسته؟

في البداية نرغب في تعريف فعل التفكير في العموم، ولماذا يفكر الإنسان؟ بتعريف جدلي يطبق في البحث العلمي يمكن أن نفترض أن هناك مشكلة ما، ويتوجب علينا حلها، عن طريق مدخلات نستخدمها في عمليات تؤدي إلى مخرجات، فالمدخلات هي كل ما يأتي إلينا من العالم الخارجي من معلومات وخبرات، والعمليات هي ذلك النشاط الذهني للعقل الذي يؤدي إلى اكتشاف المخرجات لحل المشكلة، سواء للتفاعل مع هذه البيئة الخارجية، أم فهم النفس أم الميتافيزيقا، لكن هل كل المعلومات والخبرات التي تأتي إلينا من التفاعل مع البيئة حقيقية أو صحيحة؟ وهل نفكر بشكل سليم؟ وبالتالي نصل إلى حلول أو نتيجة دقيقة، هل أصلًا يفكر الناس أم يكتفون بالمدخلات فقط؟

إذا كانت المشكلة هي إثبات صحة أو نفي واقعة تاريخية في العصر القديم ما متداولة، فإن المدخلات تكون هي المعلومات المتداولة عنها، والعمليات هي البحث عن صحة هذه المعلومات عن طريق البحث في كتب التاريخ أو الوثائق المختلفة، وهل الواقعة مؤكد حدوثها من المؤرخين المختلفين أم أقوالهم متضاربة؟ وهل القصة نفسها متسقة منطقيًا نسبة للأحداث التاريخية حولها؟ إلخ، وعن طريق هذه الأسئلة وإجاباتها تكون المخرجات بالتأكيد أو النفي مقنعة للباحث والمتلقي إذا تمت العمليات بشكل عقلاني سليم، وكان من الممكن الاكتفاء بالمعلومات المتداولة فقط دون التفكير فيها منطقيًا ونقديًا، وهناك فارق بين هذا النشاط المنظم والشرود الذهني الذي تتداخل فيه المعلومات أو الأفكار تداخلًا عشوائيًا غير مؤد إلى نتائج منطقية، وقد ينتج عنه أشياء أخرى ليس مجال الحديث عنها الآن، لكن أيضًا لا نحصر هذا التفكير المنطقي أو النقدي على النشاط البحثي أو العلمي فقط، فيمكن أن نستفيد منه أيضًا في أي طرح أو نقاش في الحياة اليومية.

سمات التفكير المنطقي/ النقدي

التنظيم

إذا كانت هناك مجموعة من الأفكار أو الحقائق العشوائية المكتسبة، فيجب تحديدها وترتيبها لاستخلاص نتائج ونظريات في نسق منهجي معلوم، مثلًا إذا كان هناك باحث عن حقيقة وجود الله وصحة الدين، فمن الممكن أن الذي دفعه في البداية -إذا كان متدينًا سابقًا- هو بعض الأسئلة التي لا يجد ردًّا عليها، أو الشبهات التي تطرح على ساحة الملحدين أو اللادينيين، فيمكن أن يبدأ بالبحث عن مسألة وجود إله، ويرصد وجهات النظر المختلفة في الفلسفة بين المصادر المختلفة للمعرفة، بين العقل، والحدس، والنص الديني، والتجربة العلمية، فيبحث في الأدلة العقلية على وجود إله أو عدم وجوده، والردود العقلية على الشبهات الدينية، وإذا وصل إلى تأكيد وجود إله، فيمكن أن يبحث في صحة النص الديني، سواء عن طريق اقتناع حدسي أم عقلي، ومثلًا من ضمن الشبهات سبب التعارض بين تفسيرات نظرية التطور أو الانفجار العظيم دينيًّا، مما يسبب خللًا في تصور الكون تصورًا منظمًا، ويمكن أن يسأل هل التجربة العلمية يمكن أن تجيب عن الأسئلة الميتافيزيقية الكبيرة هذه مثل وجود إله؟ أم أنها فقط تقدم النظريات التي يمكن أن تؤول تأويلات مختلفة حسب الأيديولوجية المتبعة، وهل هذا استخدام مفيد للعلم والدين والفلسفة أم يضر بهم؟ ومن خلال هذه العناصر الكلية والنقاط الجزئية المختلفة يمكن أن يكون هذا الباحث رأيًا خاصًّا به وأيديولوجية أو معتقدات مترابطة، مع تشابك العلاقات بين المصادر المختلفة، كما وضحت بشكل منظم، ويمكن أن تتغير هذه المنهجية حسب نوع البحث والعلم محل الاهتمام بالطبع.

البحث عن الأسباب

الإنسان المفكر مدفوع برغبة للبحث عن إجابة سؤاله الأهم «لماذا؟»؛ فمن خلاله يستطيع أن يفهم ذاته والعالم الخارجي فهمًا واعيًا ومُرضيًا لإرضاء هذا الميل النظري إرضاء فلسفيًّا أو دينيًّا أو نفسيًّا، أو معرفة أسباب الظواهر علميًّا؛ لكي نتمكن من التحكم فيها، ونصل إلى نتائج عملية أفضل وأنجح، فإذا طبقنا القاعدة السببية للمنطق «لكل حادث سبب، ولا يحدث شيء من لا شيء»؛ فلا بد أن يدفعنا سؤال لماذا خُلق الإنسان؟ إلى السؤال عن حقيقة الوجود المادي والروحي؟ وكيف بدأ الخلق؟ ومن أين نشأ الكون؟ وهل الإنسان مركز الكون؟ وإلى أين سنذهب بعد الموت؟ إلخ، كل هذه الأسئلة المتأصلة في العلم والفلسفة، هي التي تضع الظواهر المختلفة في سياق نظريات كبرى، بما أن الفلسفة أقدم من العلم والدين، فإن هذه الأسئلة الفلسفية في الأساس، والذي وُجد لها تفسيرات أسطورية أو خرافية قبل عصر العلم، كانت سببًا في تأصيل هذا البحث العلمي للبحث عن أسباب ظواهر مختلفة أدت إلى اكتشاف نظريات مثل مركزية الشمس، أو الجاذبية الأرضية، أو التحليل النفسي، من ظواهر كان يمكن أن تمر دون أن يلتفت إليها، وهذه النظريات هي التي جعلت نظرتنا اليوم إلى أنفسنا وإلى الكون أنضج، حتى وإن كانت غير نهائية، وتطور باستمرار بسبب أيضًا هذه الأسئلة التي لا تنتهي وتدفعنا نحو التقدم.

اليقين

كلما ازداد نصيب المرء من العلم تضاءل مجال الأمور التي يتحدث فيها -عن يقين- وازداد استخدامه لألفاظ مثل -من المحتمل، من المرجح، أغلب الظن-.

المعرفة اليقينية الموضوعية هي التي تعتمد على الأدلة والبراهين المنطقية مرتبطة بالطرح الموضوعي، التي تؤدي إلى نتيجة صحيحة، وهناك فرق بينها وبين اليقين الذي يكون بسبب عاطفة أو مصالح شخصية، أو الجدلي الذي يقبل الأخذ والرد، فيجب أن يتحلى المفكر النقدي الباحث عن الحقيقة بتجنب عدة عوائق للتفكير السليم منها؛ الافتراضات المسبقة، والتحيز، وعدم مصداقية المصادر، وضغط الأقران والمجتمع، وكلها أمور قد تكون ناشئة عن عدم القدرة على تقبل صدمة أن أفكاري خاطئة، ولا بد أن تخلو هذه الأدلة والبراهين من المغالطات وعوائق التفكير المنطقي أو النقدي السليم التي سنتحدث عنها لاحقًا.

فلا يصح تحدي الاكتشافات أو النظريات العلمية التي لا تقبل الشك، لأنها تتعارض مع دين أو معتقد ما أو تفسيراته كما يرى رجال الدين، كما كان يحدث في القرون الوسطى عند ظهور نظرية كبرنيكوس التي هدمت الاعتقاد اليقيني القديم بأن الأرض ثابتة وبأنها مركز الكون، والتي كانت تهدد سلطة الكنيسة آنذاك.

الدقة والتجويد

يحدث أنه بسبب اختلاف الثقافة أو المعرفة، قد نستخدم ألفاظًا مطاطة أو غامضة تحمل أكثر من معنى، خصوصًا إذا كان أحد طرفي الحوار غير مُلم بلغة العلم محل النقاش، هذه الألفاظ تحدث لبسًا في الفهم، وقد يتحول النقاش بسببها إلى صدام، فمثلًا إذا كان هناك شخص يتحدث عن الفلسفة إلى شخص على غير علم بألفاظها، وتحدث عن مصادر المعرفة التي تحدثنا عنها سابقًا فقد يظن أنها الوسائل المادية المستخدمة في المعرفة، كالكتب والمحاضرات المرئية، أو المنشآت التعليمية كالمدارس والكليات، والأزمة هنا أن اللفظ يمكن أن يستخدم بهذا المعنى، ولكن في سياق آخر غير فلسفي، أو مثلًا إذا وصفت شيئًا بصفة ما نسبية، كأن تصف فعلًا ما بأنه أخلاقي، فهذا يرجع إلى مقياس الأخلاق عند كل شخص، قد يكون الدين أو التقاليد المجتمعية أو الحدس… إلخ، وهنا نحتاج إلى تعريف الأخلاق تعريفًا أشمل، أو مثلًا الألفاظ المرتبطة بمقاييس مجتمعية مختلطة، كأن أحكم على المنتج أو الشخص المشهور بأنه الأنجح أو الأكثر والعكس، ومع ذلك فإن الألفاظ تظل لها إفادتها في الاختزال، لكن تنشأ المشكلة من عدم إدراك الفروق بين طرفي القياس في الألفاظ المشتركة والمبهمة -الكل أو لا شيء-كأن أقول صحيحًا وغير صحيح، ولا أدرك النسب المتوسطة والمنخفضة بينهما، لذلك فإن العلوم الحديثة والطبيعية خصوصًا، تميل إلى استخدام اللغة الرياضية الدقيقة، وتجنب اللغة الكيفية والوصفية هذه، ولكن في مجال العلوم الإنسانية فإن الموضوع أكثر تعقيدًا، لأنها تناقش أمورًا خاصة بالإنسان وما يفكر فيه ويعيشه، الذي هو أيضًا كائن تكوينه معقد، ولهذا فإن أول قاعدة في أساليب التفكير المنطقي والنقدي هي الدقة في استخدام اللغة؛ لأن الألفاظ لبنات التفكير، وهذه بعض الأمثلة عن الألفاظ التي قد تحدث سوء فهم.

في الجزء القادم من المقال سأتطرق إلى الحديث عن أساليب التفكير المنطقي والنقدي وعوائقه ومغالطاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • – كتاب التفكير العلمي – فؤاد زكريا – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (الفصل الأول والثاني؛ سمات التفكير العلمي و عقبات في طريق التفكير العلمي).

  • – كتاب الطريق إلى التفكير المنطقي – ويليام شانر – مكتبة النهضة المصرية.

  • – كورس المبادئ الأساسية للتفكير السليم – بالعقل نبدأ.

  • – كورس مدخل إلى التفكير النقدي – د. أميرة مخلوف و Spread Your Skills – على موقع رواق.

  • – كتاب الفلسفة أنواعها ومشكلاتها – هينتر ميد – مكتبة مصر (الفصل السابع والثامن؛ الحقيقة ونظرية المعرفة).

تعليقات الفيسبوك