تنويه: هذا الجزء الثاني من المقال، في الجزء الأول تحدثت عن مشاكل النقاشات التي تحدث بسبب عدم اتخاذ مساحة مشتركة من التفكير المنطقي النقدي، وتعريف فعل التفكير عمومًا، سمات التفكير المنطقي النقدي وماهيته، لذلك يفضل قراءة الجزء الأول، ثم قراءة هذا الجزء؛ لأنهما متصلان ببعضهما لوضوح الفكرة كاملة.

أساليب التفكير المنطقي النقدي

بني المنطق على وجود مقدمات ودعائم تؤدي لنتائج تكون الحجة أو الدليل، أي تصور وإدراك الشيء مجردًا، ثم التصديق وهو الدليل على صحته، إذا افترضنا أن هذه المقدمات قضية في المحكمة، فإن هناك عدة أطراف؛ سيكون المدعي يمثل أدلة الإثبات، والدفاع يمثل أدلة النفي – إن وجدت – والشهود يمثلون ناقل وظواهر القضية، القاضي يمثل العقل، والحكم سيكون بالبراءة أو إثبات التهمة باختلاف السياق، إما بترجيح يقيني لأحد طرفي النقيض، أو الترجيح الظني وهو ترجيح أحد الطرفين مع احتمال الآخر؛ الطرف الراجح يمثل الظن والطرف المرجوح عليه يمثل الوهم، وفي حالة تساوت الكفتين فإن هذا يمثل الشك.

سأنتقل للحديث عن على عوائق التفكير المنطقي النقدي باعتبارها قضايا، ثم تطبيق هذه الأساليب وبعض المغالطات عليها.

الأسطورة والخرافة

تتميز الأسطورة عن الخرافة بأنها كانت قديمًا قبل ظهور العلم، تعطي تفسير متكامل للعالم كمثل أساطير آلهة الخير والشر التي تتبع تصور غائي عن الكون، يزيل الحد الفاصل فيه بين الطبيعة والإنسان بأنها لها رغبات مشابهة له، أما الخرافة فهي تعبر في الغالب عن الثقافة الشعبية في الأمور الحياتية الجزئية، كمثل الاعتقادات المرتبطة بأشياء خارقة للطبيعة تحدث من البشر ويكون لها تأثير عام، كمثل الدجل والشعوذة والتنجيم، ويتضح لنا أن تفسير ظواهر الطبيعة على أساس غايات مستمدة من المجال البشري هو تفسير باطل لا يخلو من التخبط والتناقش، ولذا لم يكن من المستغرب أن يتخلى التفكير العلمي عن فكرة الغائية ويعدها امتدادًا للطريقة الأسطورية في فهم العالم.

بتطبيق الاستدلال القياسي على الأسطورة وهو (الانتقال من الكلي إلى الجزئي) فبما أن الحجة تكون صحيحة في حالة كانت النتيجة تتبع منطقيًا المقدمات وهذه المقدمات صحيحة، فإن نتيجة مفاهيم الأسطورة قد تتبع المقدمات، ولكن تكون بشكل غير منطقي، وحتى لو كانت تتبعها بشكل تسلسلي فهي مقدمات خاطئة، وبالتالي تكون النتيجة خاطئة؛ لأن النظرية الصحيحة هي ما يمكن البرهنة عليها منطقيًا.

بتطبيق الاستدلال الاستقرائي على الخرافة وهو (الانتقال من الجزئي إلى الكلي) لتكوين قاعدة عامة، فإننا سنفشل لأن الحكايات الخرافية المتداولة بين أصحاب الفكر الخرافي، في الغالب منقولة ولم تحدث معهم شخصيًا فمشكوك في صحتها قبل منطقيتها الزائفة بالطبع، وحتى وإن حدث ما هو يظهر على أنه خارج للطبيعة في عدد محدود من المرات، فلا يمكن تعميمه للاعتماد عليه في الحياة العملية، لأنه على الأرجح على سبيل المصادفة، وكان يمكن أن يحدث دون تدخل من الشخص المنجم أو المشعوذ أو الدجال، لولا اعتقادنا بكرامته، فحتى هذه الحكايات يمكن أن تحكى بشكل متناقض لتخدم مصلحة الشخص المتكسب منها.

وتسمى النهاية في نقطة لا تتسلسل منطقيًا مع نقطة البداية بمغالطة المنحدر الزلق.

الخضوع للسلطة

السلطة؛ أي سلطة من المجتمع سواء من الحكومة أو رجال الدين أو العلماء أو ولي الأمر؛ ممن لهم تأثير في الوعي الجمعي، هي المصدر الذي لا يناقش، والذي نخضع له بناء على إيماننا بأن رأيه هو الكلمة النهائية، وبأن معرفته تسمو على معرفتنا، والخضوع للسلطة أسلوب مريح في حل المشكلات، ولكنه أسلوب ينم عن العجز والافتقار إلى الروح الخلاقة، ومن هنا فإن العصور التي كانت السلطة فيها هي المرجع الأخير في شئون العالم والفكر كانت عصورًا متخلفة، خلت من كل إبداع، ومن هنا أيضًا فإن عصور النهضة والتقدم كانت تجد لزامًا عليها أن تحارب السلطة العقلية السائدة بقوة، ممهدة الأرض بذلك للابتكار والتجديد، وأهم الدعامات التي ترتكز عليها السلطة هي القدم أو الانتشار والشهرة والرغبة والتمني:

القدم

كلما كان الشيء قديمًا كلما كان له بين الناس قداسة الأجدر بالاهتمام والاتباع والاحترام، وكل ما في الأمر أن الإنسان، إذا كان يضيق بحاضره، أو يجد نفسه عاجزًا عن إثبات وجوده في الحاضر، يصبغ الماضي بصبغة ذهبية ويتخذ منه مهربًا وملجأ يلوذ به.

الانتشار والشهرة

إذا كانت صفة القدم تعبر عن الامتداد الطولي في الزمان، فإن صفة الانتشار تعبر عن الامتداد العرضي بين الناس، فرأي يكتسب سلطة أكبر إذا كان شائعًا بين الناس، وكلما ازداد عدد القائلين به كان من الصعب مقاومته، والحجة التي توجه دائمًا إلى من يعترض على رأي شائع بين الناس هي: هل ستكون أحكم وأعلم من كل هؤلاء؟

يكتسب الرأي سلطة كبرى في أذهان الناس، إذا صدر عن شخص اشتهر بينهم بالخبرة والدراية في ميدانه، والواقع أن الشهرة، تجلب المزيد من الشهرة، تمامًا كما أن المال يجلب المزيد من المال، فيكفي أن يشتهر إنسان، لسبب قد لا يكون له علاقة مباشرة بكفاءته، حتى يحدث تأثير تراكمي لنفوذه وسلطته على الناس بحث تتبع الجماهير أخباره، وتتلقف كلماته وتزيد عليها تفسيرات وتأويلات تعطيها قيمة لا تكون جديرة بها أصلًا، ويتم استغلال احترام الناس لأفكار أو أشخاص ومحاولة تحويلها لأفكار أو أشخاص آخرين على أنهم متماثلون ببراهين.

كما حدث مع سقراط عندما كان يحاول إيقاظ العقول بطرح الأسئلة في المعتقدات الخاطئة السائدة آنذاك، كما كان يقول تشبه أثينا حصانًا كسولًا، وأنا أشبه ذبابة تحاول إيقاظها وإبقاءها حية، وانتهى الحال بإعدامه لطرح أفكار مغايرة عن القديم والسائد.

الرغبة والتمني

يمثل الناس إلى تصديق ما يرغبون فيه، أو يتمنون أن يحدث، وعلى العكس من ذلك فإنهم يحاربون بشدة ما يصدم رغباتهم أو يحبط أمانيهم، كمثال التكبر على نظرية أن الشمس هي مركز الكواكب وأن الأرض تدور حولها للرغبة والتمني، للإنسان في أن يكون مكانه هو المركز لمجرد أنه إنسان.

بتطبيق التمثيل وهو (الانتقال من جزئي إلى جزئي) النوع الثالث والأخير من الاستدلال وغالبًا هو الأضعف؛ لأنه لا يفيد اليقين مطلقًا؛ لأنه على مستوى القدم، إذا كان هناك عالم أو مفكر ما في العصر القديم منهجه له قيمة ومكانة عالية حتى اليوم، لا يدل هذا على أن عالم أو مفكر آخر في نفس مجاله كان له نفس القيمة والمكانة، وهكذا ما هو منتشر ومشهور ومرغوب والعكس صحيح؛ لأنه يمكن أن نثبت نقيض النتيجة.

ولهذا يتعين علينا أن نفرق بوضوح بين من يخالف الرأي الشائع لأن لديه شيئًا جديدًا، وبين من يخالفه لكي يشتهر بهذا المظهر فقط دون أن يكون في واقع الأمر قادرًا على الإتيان بأي جديد.

إنكار قدرة العقل

في مجال الفن أو الشعر أو الأدب يهيب الإنسان بقوى أخرى غير العقل، قد يسميها الخيال أو الحدس، ويؤمن عن حق بأن هذه القوى هي التي توجهه في هذا المجال؛ لأن المنطق العقلي الدقيق يعجز عن الأخذ بيدنا حينما نكون بصدد إبداع عمل فني أو أدبي، ولكن المشكلة هي أن بعض المفكرين يعتقدون أن أمثال هذه القوى تصلح مرشدًا لنا في ميدان المعرفة ذاته، وينكرون قدرة العقل في هذا الميدان، أو يجعلون له مكانة ثانوية، ومثل هذا التفكير كان ولا يزال عقبة في طريق التقدم.

يمكن هنا اكتشاف إحدى المغالطات المنطقية التي تسمى رجل القش، وهي نسبة كلام لطرف الحوار الآخر لم يذكره، وانتقاد هذا الكلام.. يمكن أن يستخدم من ينكر قدرة العقل هذه المغالطة بقوله أن من ينتصر للعقل هو على الجانب الآخر ينكر قدرة الخيال أو الحدس، وهذا غير صحيح، ولكن هو يتحدث عن استخدامه في نطاق يسمح بذلك.

التعصب

التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يتحكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائمًا مخطئون وخاطئون، في حالة التعصب لا أهتدي إلى ذاتي – التي هي قد تكون مسحوقة في الجماعة أو الطائفة – ولا أكتشف مزاياي إلا من خلال إنكار مزايا الآخرين، وهو التعصب يلغي التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد، وينطوي التعصب بداخله على كل أشكال العقبات السابقة.

هنا يمكن اكتشاف أغلب المغالطات المنطقية، من التعميم المتسرع الذي يرى كل من يخالفه في الرأي جاهل أو غبي، أو مغالطة الإنقسام الزائف، وهي الاقتصار على خيارين فقط دون مراعاة الاختيارات الأخرى، فهو يرى الحقيقة أبيض أو أسود ولا يرى درجات للرمادي، أو أن من يخالفه في الرأي يمكن أن يكون رأيه يحتمل نسبة من الصحة ورأيه هو يحتمل نسبة من الخطأ، أو مغالطة الشخصنة، والتغاضي تمامًا عن رأي المتكلم ومهاجمة شخصه، ما دام هذا الشخص غير مقبول بالنسبة لي بسبب عنصري ديني أو عرقي أو أيديولوجي… إلخ، وعندما يفشل المتعصب في إقناع محاروه يمكن أن يستخدم أساليب مغالطة منها أسلوب اللف والدوران، بمعنى تكرار نفس الأفكار بصيغ مختلفة.

الإعلام المضلل

الفرق بين الإعلام والتعليم ظهر بعد ظهور وسائل الإعلام الحديثة، كالكتب أو الصحافة أو الراديو والتلفزيون، بعدما كان يعتمد على التلقين الشفوي أو الخطب وإلقاء الشعر التوجيهي، وهناك فرق بين الإعلام أو التعليم المعتمد على التلقين من طرف واحد متعصب أو مزيف – سواء لمصلحة تجارية أو سياسية – وبين المعتمد على الحوار والمناقشة المتحرر من قيود السلطة.

هنا يمكننا إكتشاف عدة مغالطات يستخدمها الإعلام، وغالبًا الساحة الإعلامية تكون مليئة بالمغالطات، كمثل مغالطة الرنجة الحمراء، وهي تدل على تشتيت الجمهور بموضوع غير موضوع المناقشة، أو موضوعات فرعية، لا علاقة بينها وبين المشكلة الرئيسة، فمثلًا عندما يحدث حادث ما تريد الحكومة إلهاء الشعب عنه، يمكن أن تُحدث أزمة على مستوى آخر ليتحول مسار النقاش عليه، أو محاولة إثارة مشاعر معينة حول موضوع بصياغة الخبر بشكل مخالف للواقع لتوجيه المتلقي لرأي المُخاطِب، أو أسلوب إثارة الدموع للتخيير بين شيء سيئ لا يحدث بالضرورة، وبين شيء آخر يدعي الأفضلية لتوجيه الناس لاختياره كمثل أن يخير الرئيس شعبه بين الفوضى أو بقائه على رأس السلطة لحفظ الأمن، وأيضًا يستخدم الإعلام عبر التاريخ للترويج للمغالطة الأكبر منذ نشأته وهي مغالطة عربة المولد، وتعني السير مع القطيع بدون تفكير، وغالبًا ما يروج الإعلام دائمًا لمصلحة من يموله أو من في يديه السلطة، كما قال جوزيف جوبلز وزير إعلام نظام هتلر النازي منذ عقود: أعطني إعلامًا بلا ضمير، أعطك شعبًا بلا وعي. وهنا يأتي دور الإعلام البديل الذي يستخدم النوع النقدي من التفكير.

وفي النهاية فإن هذه الطريقة من التفكير هي من صنع الإنسان نفسه لأنه بطبعه متسائل وناقد باختلاف المستوى الذي يتطور بالإصقال، أي أنه يمتلك تفكير نقدي كالطفل في سنواته الأولى عندما لا يكف عن الأسئلة السببية التي تحدثنا عنها، ولكن بانسياقه وانسحاقه مع الوعي الجمعي المضلل يتم ترويضه سلبيًا، فلا يصح أن يتم تقديم إجابات بالغة البساطة والسطحية لأسئلة بالغة التعقيد والعمق، ولكن ينبغي أن نقاوم هذه القولبة وأن ننقد معتقداتنا مثل مهندسين يستخدمون – الهاكينج – على نظامهم الإلكتروني الذي صنعوه لشركتهم، من أجل محاكاة وضع – الهاكرز – لاختبار مدى قوته واكتشاف الثغرات، فالواثق لا يخاف، وحتى إن أخطأ واعترف فهو يكون أقوى، ولابد بنا أن نحترم العقل؛ لأن هذا هو الدليل على بقائنا أحياء، وما يميزنا عن الحيوان، أول كما قال ديكارات: أنا أشك إذن أنا أفكر، أنا أفكر إذن أنا موجود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • – كتاب التفكير العلمي – فؤاد زكريا – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (الفصل الأول والثاني؛ سمات التفكير العلمي و عقبات في طريق التفكير العلمي).

  • – كتاب الطريق إلى التفكير المنطقي – ويليام شانر – مكتبة النهضة المصرية.

  • – كورس المبادئ الأساسية للتفكير السليم – بالعقل نبدأ.

  • – كورس مدخل إلى التفكير النقدي – د. أميرة مخلوف و Spread Your Skills – على موقع رواق.

  • – كتاب الفلسفة أنواعها ومشكلاتها – هينتر ميد – مكتبة مصر (الفصل السابع والثامن؛ الحقيقة ونظرية المعرفة).

تعليقات الفيسبوك