يأتي الانسان إلى هذه الدنيا بدون أي سلوك سيئ أو صفات تدعو للشر، بل إنه بفطرته نقي لا يحمل أي ضغينة أو كره، طاهر لم يدنسه شيء، ويكون ودودًا ومسالمًا، أضف إلى هذا الضعف الذي يزيده جمالًا وبراءة، ما هو إلا صفحة بيضاء لم يُكتب فيها أي شيء بعد، ولكن البيئة التي ينشأ بها تكون ذات تأثير كبير عليه، هي التي تضع السلوك وتكسبه الصفات سواءً كانت حميدة أو غير ذلك، وقد يتعرض لحدث سيئ يؤثر على سلوكه، ويجعله يتبع أسلوبًا منافيًا للفطرة الطيبة، ويتخلى عن الطيب ويتمسك بالخبيث المعاكس لما أتى عليه في هذه الدنيا، وفي هذا يقلل الإنسان من شأنه وقيمته التي أعزه الله بها عن باقي المخلوقات، ويقول الحسن البصري: لا تجعل لنفسك ثمنًا غير الجنة، فإن نفس المؤمن غالية، وبعضهم يبيعها برخص.

إن الإنسان في الإسلام مُكرم غير مهان، شرفه المولى بأن يكون خليفته في الأرض، وزاده شرفًا بعقل يفكر في كل شيء حوله ويتدبر في هذا الكون العظيم، يسعى دومًا للأفضل، فإذا ما قبل بالذل والانكسار والضعف، فما الفرق بينه وبين الحيوان، ما كان المسلم ليقبل بالظلم، ولا يكون الظلم قويًا إلا في القلوب الواهنة، كما أنه ضعيف جدًا في القلوب العامرة بالإيمان.

وبالنظر لما يحدث حولنا تجده هزلي، أقرب ما يكون للخيال، أحداث وقضايا وحلول تخلو من المنطق والمعقول، شيء خارج عن المألوف، واقع مؤسف ومرير، ومستقبل مجهول يسير مسرعًا على منحدر، نعيش على الماضي والخيال، ليست هناك أي بشائر أو دلائل للخير، بل إن كل المعطيات تنبئ بكارثة، يقولون أن هناك ضوءًا في النفق المظلم، لا يعلمون أنه القطار الذي سيهلكنا جميعًا، وأصوات الحق في صمت مهين، أيكون هذا هدوء ما قبل العاصفة، قد يكون فيها الخلاص، وربما كانت النهاية، الجميع يترقب وينتظر، ولفساد الأرض وأهلها سيأتي الخلاص من رب السماء، الجميع يدعوا لكن بدون كلام، خوفًا من أن تسقط كلمة تكون سببًا في إعدام حرية مجبورة تتكئ على عكازين.

في هذا الصمت المهين تعلو أصوات أخرى، أولئك الذين يؤكدون أني المذنب والعاصي، كما أنني الجاني والمجني عليه، بل أنا أساس كل المصائب ومنبعها، وأنا المريض الذي ينشر العدوى في كل مكان، ويصرون على أنني من أحدثت ثقب الأوزون، يذكرونني بالحمار القصير الذي يتحامل عليه الجميع، الذي لا حول له ولا قوة، يركبونه ويضربونه ويحمل لهم متاعهم، ولا سبيل له سوى الطاعة، وإلا فالعصي مرفوعة تنزل على مؤخرته التي تنزف دومًا بداعٍ أو بدون داعٍ، هكذا صعدوا على رقابنا، في سبيل راحتهم يكون الشقاء لنا، يرسمون لك طريق ويسلكون طريقًا آخر هكذا هي اللعبة.

وفي هذه الطرق الموضوعة التي يؤكدون دومًا أنها الخلاص والحل الأمثل ترى فيها كم هذه العقول فقيرة أقرب للمرض، في فقرها تقتصر حلولها بالتحامل على هذا البائس، الذي يعمل وكأنه ثور معصوب العينين مقيد في تلك الساقية التي تدور ولا يستطيع التوقف لالتقاط أنفاسه، فهناك التزامات وأفواه تحتاج إلى طعام تنزل عليه كالسوط توجعه ليستمر في الدوران، وفي مرضها تكون مصلحتهم هي العليا والأهم وفي سبيلها لا مانع من دهس عدة أرواح تحت غطاء المنفعة العامة التي هي بريئة منهم، وتصطف الأبواق جميعها وتنهق بأن هذا هو الصواب، ولابد أن تتحمل وتصبر وغدًا سوف يأتي بكل الخير، ومرت سنوات ولم يأتِ هذا الغد الموعود، وصار العلاج لا تأكل لا تشرب لا تنجب لا تركب لا تتحدث لا تعترض لا تشتكِ لا تتكلم لا تكتب .. إلخ، وهذا ليس إلا على المسكين الذي يُقدمونه قرابين من أجل الأسياد.

ويطل علينا بوق من الأبواق السمينة، يتدلى كرشه على فخذيه، يختفي حزام بنطاله في الأعماق، إنه أقرب ما يكون لدائرة انبثقت منها أربعة أطراف أو ربما خمسة، تجد رأسه موضوعة بين كتفيه في عملية اتزان صعبة، ليست هناك أي دلائل على وجود رقبه، ولم تسلم الرأس من تلك الزحمة، جفون تدلت على عينه تكاد تلامس خدوده، وكرة لحم تدلت تحت فكيه، وصوت ضاقت أنفاسه، وكلمات تخرج متأثرة من ضغط الشحوم على الحنجرة، يدعونا هذا السمين لأن نتقشف ونمتنع عن الأكل، يتحدث وكأن في فمه قطعة لحم يمضغها، ليس هناك رد على أمثال هؤلاء إلا فلتذهب للجحيم.

أفكر كثيرًا في نظرتهم لي وكأنهم لا يرونني ولا أدري أهذا لصغر حجمي أم أنهم عميان لا يبصرون، أو ربما يتعمدون تجاهلي، فأنا لا أحلو لهم، لأني فقير ومعدوم، وزد على هذا نحيل تكاد أن تسقط عيناي من رأسي، كما أن أسناني تريد الخروج من فمي، أرتدي ثوبًا اهترأ من كثرة غسله، وأصبح لونه غريبًا ليس له مسمى أو صفة سوى الشحوب، وقميص اختفى فيه جسدي، كما أن بنطالي يكاد أن يسقط لولا رباط أحكمته على وسطي، لم يكن هذا مظهري من قبل، بل إن هذا كله بسببهم، إنهم من سرقوا قوتي وقوت أولادي، ولفقري فقدت لحمي في شقائي، ولا أملك إلا ثوبي الذي يستر عورتي، هكذا أصبحنا في معزل بعيد عن السادة، وهكذا أرادوا لنا حتى لا يصابوا بالغثيان، أو قد يفسد منظرنا مزاج أحدهم، وأصبحت إنسانًا من الدرجة الثالثة، هكذا هو التصنيف الذي لم ينزل به الله.

إذا أردت أن تحيا في هذا المجتمع في سلام ولا أعدك بهذا عليك بألا تنطق بما يكرهون، وإياك أن تسمعهم إلا ما يحبون، وهذا الذي في رأسك لا تستخدمه مطلقًا، فلتعتبر أن صلاحيته انتهت من سنين، بل ضعه في صندوق وألقه في اليم، لربما التقطه احدهم وحفظه حتى حين، وأن تحيا جاهلًا خير لهم من أن تحيا عاقلًا، هكذا هم أسعد الناس بهذا العصر الجهلاء والفقراء، ولتدفن كل ما بداخلك وتتخلص منه ولتكن فارغًا تافهًا، فلتكن أنت والعدم سواء، اسم وجسد، تلك هي النصيحة البائسة لتكون إنسانًا من الدرجة الثالثة.

انتبه لا تأخذ بتلك النصيحة البائسة، إن حياة تنشأ من تلك النصيحة ما هي إلا حياة خاوية، تكون فيها هالكًا بكل الطرق والوسائل، لن تنجو في الدنيا ولا الآخرة، عليك بنفسك ومن حولك تزرع فيهم كل ما هو جميل وطيب، إن الإسلام بذرة طيبة ما إن تنثرها وترعاها تأتي بالثمار الطيبة، فلتكن مسلمًا يدعو للخير ويسعى لرضا الرحمن وأن يسير على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم، هكذا تكون بداية الخلاص والسلام، وإن كانت المشقة واردة في الطريق والعناء محتوم على جانبيه إلا أنها في سبيل الله تكون بسيطة، فهو المعين في هذا الطريق وثوابه عظيم والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد