(1)

قام النظام الحاكم خلال السنوات الأخيرة بثلاث غزوات ضد المستشار هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، والقامة القضائية المرموقة، كانت الغزوة الأولى في أعقاب تصريحاته عن حجم الفساد في البلاد، وشملت الغزوة عدة محاور، إطلاق الآلة الإعلامية ضده، و(جرجرته) في المحاكم، والتضييق عليه بتعيين نائب له يمثل الشريك المخالف، ثم تعديل القانون لعزله من منصبه، وهو ما تم لاحقًا، ثم كانت الغزوة الثانية في أعقاب ترشحه نائبًا للمرشح الرئاسي الفريق سامي عنان، حيث أوقفت سيارته وأوسع ضربًا في الطريق وهو الشخصية المحترمة، ثم كانت ثالثة الأثافي بعد أن أدلى بتصريحات لإحدى الصحف عن الأسرار التي يحوزها الفريق سامي عنان المرشح الرئاسي (السابق)!

(2)

إحدى الطرق المعروفة للتضليل والافتراء والتقول على الناس أن تترك نَصَ ما قالوه وأن تنسب لهم نصًا آخر – يختلف عن نص ما قالوه بالفعل في الكثير أو في القليل – وقد يتمثل الاختلاف بين النص الحقيقي والنص المدعى بضع كلمات، ثم تبدأ في نقد وتفنيد وتحليل وتشهير والهجوم على النص المدعى، وكأنه هو بالفعل النص الحقيقي.

(3)

ذكر بيان القوات المسلحة ما يلي: «في ضوء ما صرح به المدعو هشام جنينة حول احتفاظ الفريق المستدعى سامي عنان بوثائق وأدلة يدعي احتواءها على ما يدين الدولة وقيادتها، وتهديده بنشرها حال اتخاذ أي إجراءات قانونية قبل المذكور، وهو أمر بجانب ما يشكله من جرائم يستهدف إثارة الشكوك حول الدولة ومؤسساتها، في الوقت الذي تخوض فيه القوات المسلحة معركة الوطن في سيناء لاجتثاث جذور الإرهاب».

وأضاف البيان: «هو الأمر الذي تؤكد معه القوات المسلحة أنها ستستخدم كل الحقوق التي كفلها لها الدستور والقانون في حماية الأمن القومي والمحافظة على شرفها وعزتها، وأنها ستحيل الأمر إلى جهات التحقيق المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية قبل المذكورين».

(4)

المدهش أن النص الحرفي لكلام المستشار – وهو مسجل بالصوت والصورة – لم يذكر مطلقًا كلمة «القوات المسلحة» أو «الجيش»، ولا ذكر الدولة ولا قيادتها، ولم يقل أكثر من أن هناك معلومات جديدة تكشف حقائق بوقائع محاولة اغتيال عمر سليمان، وأحداث ماسبيرو، وأحداث محمد محمود، بل وأكثر من ذلك فقد أشار إلى أن المعلومات تتعلق بالطرف الثالث، وهو ما ينفي مبدئيًا تعلقها بالدولة وقيادتها، إذ إن الطرف الثالث يطلق على ما هو خارج الطرف الأول وهو الثوار والطرف الثاني وهو الدولة.

ولذلك علق الفقيه الدستوري د. نور فرحات: «هذه التصريحات لم تتحدث عن الدولة من قريب أو بعيد، ولم تتعرض للدور المجيد للقوات المسلحة في مكافحة الإرهاب، وإنما تحدثت بطريقة مجهلة ومعماة، وذكر المستشار جنينة أن مسألة التحقيقات في هذا الملف مهمة، فقد يكون مقصودًا جماعات أخرى أو أشخاص لا نعرفهم، أو ملابسات خافية.

(5)

فلماذا يصدر المتحدث العسكري بيانًا؟! ما علاقة القوات المسلحة وهي لم تذكر مطلقًا؟! أهو تدخل مباشر جديد من القوات المسلحة في الشأن السياسي؟ أم هو اعتراف ضمني بالمسؤولية عن تلك الأحداث أو على الأقل المسؤولية عن حماية المسؤول عن تلك الأحداث؟ وإذا كانت التهمة هي الإساءة للدولة فكيف يسيء للدولة من لم يحدد طرفًا بعينه، وإذا كانت التهمة هي الإساءة للدولة فلماذا يتولى المتحدث العسكري وليس المتحدث باسم الحكومة أو الرئاسة الرد؟ ولماذا الإحالة للقضاء العسكري وليس المدني في موضوع لم يذكر فيه اسم القوات المسلحة؟ وإذا كان هذا الأمر بدعوى أن الفريق سامي عنان ينتمي للقوات المسلحة، فإن تصريحات المستشار لم تذكر أن المستندات هي مستندات حكومية ناهيك أن تكون متعلقة بالقوات المسلحة، وما دام لم يذكر أنها مستندات حكومية فالأصل براءة الذمة، فكيف يصدر مثل هذا البيان مستبقًا أي إجراء قضائي.

(6)

وفضلًا عن المضمون الذي يثير الكثير من التساؤلات فإن الصياغة بدورها تستدعي الوقوف عندها، فما هذه اللغة المتغطرسة في الحديث عن مواطنين شرفاء غير مدانين بعد من قبل القضاء؟! وما هذه المصطلحات مثل (المدعو) هشام جنينة، كأن هذا الضابط السابق والمستشار والرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات نكرة من النكرات، وما هذا المصطلح (الفريق المستدعى)؟! كأن الفريق سامي عنان لم يكن يومًا رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية.

(7)

كل هذا يدل على غياب الدولة المدنية غيابًا كاملًا، وأننا تحولنا من حالة شبه الدولة في عهد مبارك ومن حالة محاولة الدولة في عهد الثورة إلى حالة شبح الدولة حاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد