أخذ أمجد ينقر بأصابعه على عجلة القيادة ليقلل من توتره وهو يسترجع ذكريات ذلك اليوم الذي مر بهما معًا، ذلك اليوم الذي التقى فيه بالضابط الكبير الذي طلب منه أن يكون في صف الجيش ضد المؤامرات الإخوانية الذين يحملون أجندة خارجية ويحاولون تدمير مصر لصالح أعدائها؛ ساعتها انتفخت عروق أمجد قائلًا: مصر تأمر! ابتسم الضابط تلك الابتسامة الصفراء التي لم يرتح معها أمجد لكنه تآلف معها وتقبلها.

استطرد الضابط ذو الرتبة العالية في الجيش من الآن ستذلل لك عقبات كثيرة وستفتح لك الدنيا أبوابها ستكون أحد رجالنا. أقصد أحد رجال مصر المخلصين؛ هذا الكارنيه سيفتح لك كل الأبواب المغلقة وهذه مفاتيح سيارة حديثة ستجدها في الخارج مكان سيارتك القديمة المتهالكة. يا أمجد مصر حريصة على أولادها المخلصين وترعاهم جيدًا.

انطلق أمجد بعد هذا اللقاء إلى حبيبته رُقي يبشرها بالانفراجة المادية الجديدة والدور الوطني الذي سيقوم به في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ مصر.

تذكر أمجد كيف أن رُقي تلقت هذا الخبر بصرخة فزع، بُهت لهولها وهدأ من روعها، فانفجرت باكية صارخة هل نسيت ما فعله العسكر بمريم أمام المجمع العلمي؛ هل نسيت دورهم في الميدان، ألم تكن أنت أحد الشهود يوم موقعة الجمل على حراستهم للبلطجية حتى دخلوا الميدان؛ هل نسيت محمد محمود، هل نسيت ستين عامًا من حكم العسكر جعلت مصر في مؤخرة الصفوف قتلوا فينا كل شيء جميل.

انفعلت رُقي أكثر وهي تقول كل ما تمر به مصر الآن وما واجهته من أزمات في السابق كان بسبب العقلية العسكرية الجامدة الفاسدة، انزعج أمجد بشدة لكلامها كيف فات عليه كل ذلك، صحيح أستاذه يؤكد الآن دائمًا أن الجيش هو المؤسسة العسكرية الوطنية القادرة على العبور بمصر وأن البديل هم الإخوان الذين يؤكد أستاذه أنهم منافقون كذابون يسعون للسلطة وليست الديمقراطية في حساباتهم إطلاقًا.

تنفس أمجد بعمق وحاول إقناعها بأنه يعرف الطريق جيدًا وأن ما يفعله فيه مصلحته ومصلحة مصر. نظرت إليه والدموع تغرق عينيها قائلة يبدو أنك قد اتخذت قرارك، أنت تعرف طريقي جيدًا وأنت الآن تختار طريقًا آخر، أما أنا فلن أبتعد عن قيمي وأخلاقي مهما كانت المغريات أو التحديات.

كان اللقاء عاصفًا انتهى بفراق لا يعرف هو مداه هل هو أبدي هل يستطيع فعلًا أن يتخلى عنها؛ أمامه فرصة العمر… ماذا يفعل؟

لما طال صمته ترجلت من السيارة الحديثة التي كانت تقف بهما أمام منزلها، أغلقت بابها بعنف وكأنها تغلق في وجه أي أمل في اللقاء بعد ذلك. تسمَّر في مكانه قليلًا ثم انطلق بالسيارة وهو يراقبها في مرآة السيارة الجانبية وهي واقفة وصورتها تقل وتقل؛ حتى ابتعدت السيارة فانطلقت تجري إلى بيتها باكية غير مصدقة أن أمجد سقط في تلك الهوة السحيقة التي تتسع لتبتلع من يهوي إليها.

كانت الفجوة بينهما تزداد يومًا بعد يوم، كان نفوذه يتسع وأمواله تزيد؛ حاول معها مرارًا لكنها كانت مصرة على موقفها، كانت تخاف عليه بقدر ما كان يؤلمها أن يحتضر أمجد الصحفي النابه النشيط ليحل محله أمجد آخر هي لا تعرف عنه سوى أمور شكلية، جلست تتذكر رحلتهما سويًا عبر الفعاليات والمسيرات التي شاركا فيها سويًا.

تذكرت كيف كان يعد والدتها بأن يحافظ عليها وأن يفديها بعمره إن تطلب الأمر، تذكرت كيف ضرب ذلك الضابط الذي حاول التحرش بها في إحدى الوقفات أمام دار القضاء العالي، تذكرت قلمه الرائع في كشف فضائح العسكر في ماسبيرو وكشف العذرية ومحمد محمود. لحظات كانت تتسم فيها ذكريات الماضي القريب الذي جمعهما ليس فقط على الحب ولكن على فكرة وقضية يعيشان لها. هو الآن يتخلى عن هذه القضية فهل يتخلى معها عن هذا الحب العفيف الذي جمعهما. صبَّرت نفسها على أن الأيام كفيلة بأن توقظه من غفلته، لكنها أيضًا كانت تعرف أن لذلك حسابات وتكاليف عالية يجب أن يدفعها، ترى ماذا سيكون هذا الثمن؟!

مليونيات كثيرة شهدها ميدان الثورة مع العسكر وضد العسكر مع الثورة وضدها؛ حالة من السيولة السياسية شهدتها مصر في هذه الأيام واختلف رفقاء الميدان وبدأت خناجر الشك توسع الفجوة بينهم، الجميع كان يبحث عن الطرف الثالث. من الذي يثير هذه القلاقل ومن يقف وراءها، من يرفع حماسة الجماهير فجأة ثم يهبط بهم إلى سابع أرض. من الذي يتآمر على أحلام الشعب في الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش بكرامة، وسائل الإعلام التي ظهرت للوجود وأضحت هي المحرك لهذه الجماهير والكتل الكبيرة لأتفه الأسباب. الجميع يبحث عن الطرف الثالث الذي يشعل مصر كلها بكل هدوء. وسط هذه الأجواء الملبدة بغيوم القلق السياسي والاضطراب الفكري أخذ كل من أمجد ورُقي طريقين مختلفين ووسعت الأحداث السريعة الفجوة بينهما وقلت اتصالاته حتى بوالدتها ليطمئن منها عليها ويعرف آخر أخبارها.

رُقي انشغلت داخل الحركة الشبابية مع عمل اجتماعي جديد لرعاية أسر شهداء الثورة والمصابين والمطالبة بحقوقهم من المجلس العسكري مع إيمانها العميق أن العسكر وراء كل هذه الأزمات وأنه لا شك له علاقة وطيدة بالطرف الثالث المسبب لهذه الفتن التي تعصف بكيان البلد الذي خرج لتوه من تحت وطأة حكم عسكري جثم على صدره ستين عامًا كاملة، خرجت في مظاهرات عديدة واعتصمت في التحرير للمطالبة بحقوق الشهداء، صحيح كانت تفتقده إلى جوارها لكنها استمرت في شغل وقتها بما اعتبرته قضيتها التي يجب أن تعيش لها وتعطيها كل وقتها.

وللقصة بقية…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد