ثورة 25 يناير هي نقطة تحول في التاريخ المصري. لكن، هل أتت الثورة بما كان يتوقعه الثوار؟ الحقيقة لا، هناك ضلع مهم في كل الأحداث التي جرت في مصر في آخر أربع سنوات وهو “الطرف الثالث”، بالرغم من كونه أهم حلقة في سلسلة الأحداث المصرية، لكن لم يعُد يتحدث عنه أحد، الطرف الثالث أو اللهو الخفي لم ينتهِ دوره، بل ما زال يتحرك على أرض الواقع، يصنع ما يحلو له من وراء الستار، وسنحاول في سلسلة مقالات التعرف عن حقيقة الطرف الثالث، وما هو دوره في الحياة المصرية, وكيف يعبث بمصير أمة.
ِ
صلاح نصر: الاسم وحده يكفي لكي تدور في رأسك الكثير من الأفكار والتخيلات, هو الرجل الذي صنع جهاز المخابرات كما نراه الآن، الأسطورة التي دارت حوله الكثير من الأحداث, أخطر وأهم رجل في مصر في تلك الفترة, بدأ صلاح نصر حياته بحلم أسرته البسيطة أن يكون طبيبًا، وانتهت حياته في مشفى، وبين الحلم والموت هناك حياة تؤكد انحراف جهاز المخابرات العامة المصرية وتوغله وتحكمه في مقدرات الشعب المصري،ترأس نصر الجهاز عام 1957حتى عام 1967، قام بإنشاء شركة النصر للاستيراد والتصدير برأس مال قدره 300 ألف جنيه، الفكرة هنا كانت لإيجاد تمويل خاص للجهاز، وهي فكرة جيدة. ولكن، عندما علم ناصر بذلك دفع من مخصصات الرئاسة 100 ألف جنيه وأخذ من عبد الحكيم عامر نفس المبلغ من أموال الجيش، وطلب من صلاح نصر أن تقسم الإيرادات على ثلاث جهات، وتقوم المخابرات بإدارة تلك الشركة.

 

وهناك حدث أول أنواع التجاوز, فجهاز المخابرات ليس جهازًا تجاريًّا, ظهر بعدها الدور الحقيقي للشركة, الشركة زرعت عملاء للنظام في الدول الأفريقية ليس هدفها استقرار مصر، ولكن الهدف هو تلميع ناصر، فقد كانت كل الأفكار التي يتم زرعها في عقول الناس هناك، هي روعة ناصر وقوة ناصر ومساعدات ناصر، لن ننسى صورة صلاح سالم وهو يرقص بالملابس الداخلية مع الأفارقة في جنوب السودان فقط لينشر الأفكار الناصرية هناك، ولا يمكن الرد بأن هذا في مصلحة مصر، لأن بعدها استقلت السودان عن مصر بعد أن كانوا دولة واحدة.

 

 

إذا ربطنا هذا بتوقيت خروج القوى الاستعمارية القديمة بعقليتها الاستعمارية المسلحة، وظهور قوى استعمارية جديدة بعقليتها الاستعمارية الفكرية، يتضح لنا لماذا تم إنشاء تلك الشركة، من ضمن نشاطات الشركة غير التجارية, هو مساعدات البعثات الرياضة المصرية المختلفة في الدول الأفريقية، فقد كان سفر أحد الفرق المصرية لأفريقيا في هذا التوقيت أمرًا شاقًا، وتلك وظيفة وزارة الخارجية ووزارة الرياضة، وليست وظيفة شركة تابعة في الأساس للمخابرات، وبالطبع تلك الشركة كانت تقوم بالسيطرة على عقول هؤلاء اللاعبين واستغلالهم بعد ذلك في دعايا سياسية للنظام العسكري، وانظر جيدًا لأغلب اللاعبين المشهورين في فترة الستينيات والسبعينات والثمانينيات ستجدهم دائمًا ينادون بالحكم العسكري، فضح هذا السر بدون قصد بالطبع حسن شحاتة ومصطفى يونس في إحدى الحلاقات مع مدحت شلبي، وكيف كان لشركة النصر دور في الرياضة المصرية, ولا أعلم ما دخل المخابرات بالرياضة.

 

 

نأتي لشكل آخر أكثر دناءة لانحرافات المخابرات على يد صلاح نصر، وهو استخدام السيدات وتصويرهم في أوضاع مخلة مع الرجال، وهذا من أجل السيطرة عليهم “الرجال أو النساء”، فإذا أراد السيطرة على سيدة فإنه يوقع بها عن طريق أحد رجاله ويتم تصويرها في أوضاع مخلة، ومن ثم يستخدم تلك السيدة في الإيقاع برجال آخرين, وأصبحت تلك الطريقة معتادة داخل مبنى المخابرات، ومن أهم تلاميذ صلاح نصر في هذا المجال كان الضابط “موافي” أو صفوت الشريف، وتقول بعض الوثائق أن النساء المستخدمات في تلك الأعمال القذرة وصل عددهن إلى 100 سيدة، وفي الحقيقة لا أعلم هل هذا عمل مخابراتي أم عمل قوادين؟

 

 

أيضًا من العجيب هو دخول المخابرات العامة في مواجهة النظام مع الإخوان المسلمين، فهذا ليس عمل المخابرات, فتم تأسيس جهاز أمن الدولة بواسطة زكريا محيي الدين مؤسس المخابرات عامة، ووزير الداخلية في هذا التوقيت، ثم تم إنشاء لجنة سميت لجنة القضاء على فكر الإخوان برئاسة زكريا محيي الدين الذي كان وقتها رئيس الوزراء، وبعضوية صلاح نصر رئيس جهاز المخابرات العامة، ما دخل المخابرات العامة بالتحقيق مع المعتقلين السياسيين ومحاربة أفكارهم بل والقضاء عليها؟
الغريب أن صلاح نصر كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين!!

 

 

اعتماد خورشيد زوجة صلاح نصر بالإكراه ذكرت قوة نصر عندما كان في منصبه, فقد كان يحرك “ناصر” كما يحب, وفي بعض الأحيان كان يتلاعب بناصر, في إحدى الليالي اتصل نصر بناصر وأخبره أن هناك خطرًا على حياته في القاهرة وعليه التحرك في الحال إلى الإسكندرية، وكل هذا لكي يثبت لزوجته أنه يستطيع التحكم في الرئيس نفسه. ما هذا العبث؟

لم يكن انحراف المخابرات يكمن فقط في الرياضة والفن والتجارة الخارجية والسياسة الداخلية، ولكن امتد الانحراف لكل أشكال الحياة المصرية، فالتعينات في السد العالي كانت من اختصاص المخابرات، ولعل أبرز دليل على ذلك هو أن رئيس اللجنة العليا للسد العالي كان زكريا محيي الدين رئيس المخابرات الأسبق.

 

 

لم يختلف الوضع كثيرًا في باقي المؤسسات، فالوزارات كانت دائمًا يحكمها رجل من المخابرات أو رجل عسكري أو رجل مدني مع وضع شخص مخابراتي في المؤسسة له يد عليا، على سبيل المثال، عبد السلام المحجوب الذي كان محافظًا للإسكندرية ثم أصبح وزيرًا للتنمية المحلية، وقبلها كان محافظ الإسماعيلية، وأخيرًا أصبح عضو مجلس أمناء صناع الحياة!! كان قبل كل ذلك ضابط مخابرات وترقى حتى أصبح نائب رئيس المخابرات، كما كان نائب رئيس الأمن القومي.

 

 

أما عن أمثلة وضع رجال عسكريين في المؤسسات فهذا لا يحتاج لدليل، فكل مؤسسات الدولة تقريبًا بها عسكريون, أبرز الأمثلة لرجال المخابرات الذين يسيطرون على المؤسسات في وجود واجهات مدنية, شخصيتان أحدهما لم يقبل أن يكون واجهة وهو إمام الدعاة الشيخ الشعراوي حينما استقال من وزارة الأوقاف, والآخر هو من قبل بهذا الدور الكريه عادلي منصور.

 

انتهت فترة صلاح نصر بفضيحة نكسة 67 ومحاولة الانقلاب على ناصر, وتم القبض عليه بعد إصابته بجلطة في مكتبه، ثم حُكم عليه بالسجن 25 سنة، هناك بعض الروايات تقول إنه تعرض لنوع من أنواع الجنون حتى بعد الإفراج عنه في عهد السادات، حيث قيل إنه اعتاد الوقوف في شرفة المشفى وهو يقول: “أنا صلاح نصر، أنا من يتحكم في البلد”.

 

رفعت الجمال المعروف إعلاميًّا بـ”رأفت الهجان”، الذي يمكن أن يعتبره البعض حسنة في سجل صلاح نصر، لكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك, فتلك العملية حسنة في سجل عبد المحسن فائق، فهو الذي درب رفعت الجمال، وكانت العملية على وشك الإلغاء بعد أن تركها عبد المحسن فائق, لكن عبد العزيز الطودي أنقذ العملية بعدما استعان بمحمد نسيم، الغريب أن رفعت الجمال أعطى المخابرات المصرية كافة المعلومات عن حرب 67، لكن قيادات المخابرات والمخابرات العسكرية أعطت تقديرات خاطئة للقيادة العامة للجيش، التي بدورها لم تضع خطة للانسحاب.

 

 

أما عن تكريم أسرة رفعت الجمال بواسطة المخابرات والدولة, فلك أن تعلم عزيزي القارئ أن أبناء رفعت الجمال حتى الآن لم ينالوا الجنسية المصرية، تكريم المخابرات كان مختلفًا فبعثت بإيهاب نافع ضابط المخابرات الذي عمل كممثل للتلاعب بأرملة رفعت الجمال والزواج منها، وهو ما حدث، وأخذ كل أموالها وطبعًا من المعروف أين ذهبت تلك الأموال.

أما أحمد الهوان المعروف إعلاميًّا بجمعة الشوان فهو لم يتم تجنيده بواسطة المخابرات المصرية كما ظهر في المسلسل، ولكن الحقيقة أن أحمد الهوان هو من ذهب للمخابرات وسلم نفسه، ثم عمل مع عبد السلام المحجوب!

 

 

كل هذا وأكثر يثبت بما لا يدع مجالًا للشك كيف تعمقت المخابرات العامة في حياة المصريين، وكيف انحرفت عن هدفها الأساسي، وماذا كانت نتيجة تلك الانحرافات، هزيمة وسقوط مدوٍ لاسم مصر، وما زالت مصر تعاني من هذا الاحتلال المخابراتي حتى وقتنا هذا، وسنوضح في المقال القادم دور المخابرات في عصر السادات، وكيف وصل الحال أيام مبارك إلى محاولة السيطرة حتى على عقول الأطفال.

 

يُتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد