ثورة 25 يناير هي نقطة تحول في التاريخ المصري، لكن هل أتت الثورة بما كان يتوقعه الثوار؟ الحقيقة لا، هناك ضلع مهم في كل الأحداث التي جرت في مصر في آخر أربع سنوات وهو”الطرف الثالث”، بالرغم من كونه أهم حلقة في سلسلة الأحداث المصرية، لكن لم يَعُد يتحدث عنه أحد، الطرف الثالث أو اللهو الخفي لم ينتهِ دوره بل مازال يتحرك على أرض الواقع، يصنع ما يحلو له من وراء الستار، وسنحاول في سلسلة مقالات التعرف على حقيقة الطرف الثالث وما هو دوره في الحياة المصرية، وكيف يعبث بمصير أمة.

نكسة 67، هي النتيجة الطبيعية لما أصاب الدولة المصرية من فشل على يد العسكر وعلى يد ناصر، وما بين النكسة وانتصار 73 الكثير والكثير من الحقائق والصفقات. وصلنا في المقال السابق لإقالة صلاح نصر الأب الروحي للمخابرات العامة المصرية، كان ناصر في ورطة بعد تمثيلية التنحي والإطاحة بعامر ونصر والكثير من القيادات، ولم تكن تلك الإطاحات بحركة إصلاح داخل المؤسسة العسكرية بسبب ما حدث في نكسة 67، ولكن كانت من أجل إخماد انقلاب عسكري بقيادة عامر ونصر، ناصر فكر في ماذا يفعل بعد نصر؟

وما أدراك ماذا يحدث عندما يفكر ناصر، بعد تفكير عميق عمن يصلح لقيادة المخابرات في هذا التوقيت العصيب، وقع الاختيار على أمين هويدي الذي كان يعمل نائب صلاح نصر! ولا أعلم هل هذة مكافأة أم ماذا؟ الأغرب والأعجب أن ناصرًا لم يكتف بترقية هويدي لهذا المنصب بل جعله وزيرًا للحربية، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن تلك الإطاحات التي أحدثها ناصر لم تكن بغرض الإصلاح، بل كانت بغرض القضاء على الانقلاب عليه.

يجب أن نشير لنقطة هامة جدًا، هي المناصب التي تقلدها أمين هويدي والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك توغل المخابرات بشكل فادح في الحياة المصرية ويثبت أيضًا حقيقة انتماء المخابرات العامة المصرية. أمين هويدي هو في الأساس ضابط جيش، وكان في تنظيم الضباط الأحرار، ثم التحق بالمخابرات العامة وتم تعيينه مستشارًا لرئيس الجمهورية للشؤون السياسية عام 62، ولا أعلم ما دخل الجيش والمخابرات بالشؤون السياسية، الغريب أنه في نفس العام عمل في منصب آخر وهو سفير مصر في المغرب! ثم نائبًا لرئيس المخابرات وفي نفس الوقت وزيرًا للإرشاد القومي “الإعلام” سنة 66، وبعدها بعام واحد أصبح يجمع بين 3 مناصب؛ فتولى منصبًا ثالثًا وهو وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء! هل يوجد دليل آخر على توغل المخابرات في الحياة العامة أكثر من ذلك؟ الغريب جدًا في حياة هويدي، أنه كان من الذين يحكمون مصر منذ انقلاب 52، وأصبح له ثقل كبير في الدولة بعد العدوان الثلاثي سنة 56، وبالطبع ناصر كان دائمًا يعلن عداءه لأمريكا وإنجلترا، لكن الغريب أن أمين هويدي حصل على ماجستير العلوم العسكرية من أمريكا سنة 56 وعمل بعدها في المخابرات العامة!

محمد حافظ إسماعيل، رجل طيب ترأس المخابرات لمدة ستة أشهر، منذ أبريل حتى أكتوبر1970، حيث أطاح السادات بالرجل بعد ستة أشهر فقط، هذا يثبت أن قرار الإطاحة لم يكن بسبب الكفاءة، بل كان من أجل تثبيت نفسه على الكرسي، حتى اختياره لم يكن بسبب الكفاءة، فالرجل شغل مناصب عديدة قبل تعيينه رئيسًا للمخابرات، من مدير لمكتب عبد الحكيم عامر إلى سفير بعض الدول ودائمًا ما كان سفيرًا لدولتين في نفس الوقت، وآخر منصب قبل تولي منصب المخابرات العامة كان سفيرَ أيرلندا وفرنسا! بعدما ترك المخابرات العامة عمل وزيرًا للشؤون الخارجية، ثم مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، ولا أعلم ما علاقة إدارة مكتب وزير الحربية بالدبلوماسية ثم العمل الاستخباراتي.

أحمد كامل، رئيس المخابرات الذي فُرض على السادات من قِبل مراكز القوى في هذا التوقيت التي كانت تقف من ورائها المخابرات، حيث كان كبير مراكز القوى آنذاك علي صبري رئيس المخابرات الأسبق وأحد المؤسسين لهذا الجهاز. لم يستمر طويلاً أحمد كامل فتمت الإطاحة به سنة 71 في ما عرف بأحداث 15 مايو، لم تكن تلك الإطاحة بسبب الكفاءة، ولكن أيضًا بسبب إفشال انقلاب كان سيتم على السادات.

أحمد إسماعيل علي، وهو من أفضل الشخصيات التي شغلت منصب وزير الحربية ورئيس المخابرات، فقد شغل المنصبين منذ أحداث 15 مايو 1971 حتى أكتوبر 1972، ثم شغل منصب وزير الحربية فقط، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل كانت الكفاءة هي المعيار الوحيد لاختياره؟ بالتأكيد لا، فالمشير أحمد إسماعيل كان قد عُزل في عهد ناصر عندما كان رئيس أركان الحرب فيما عرف بحادثة الزعفرانة، بالرغم من كفاءته ولكن عزله ناصر، هذا كان سببًا مهمًا في تعيينه رئيسًا للمخابرات ووزيرًا للحربية من قِبل السادات، فالسادات في الأساس كان يريد رجلاً يدين له بالولاء، ليس على وفاق بالفكر الناصري، كفئًا ووطنيًا، ووجد كل هذا في المشير أحمد إسماعيل، الذي عمل واجتهد وقاد حرب 73. وضح بعد ذلك رؤية السادات في منصب رئيس المخابرات فكان يأتي برجال عسكريين فقط، وليس عسكريين بمؤهلات أخرى، فقد كان يعد الجميع للحرب، لهذا تم تعيين اللواء أحمد عبد السلام محمد توفيق وهو رجل عسكري فقط، لم يشغل مناصب أخرى غير عسكرية قبل أن يتولى منصب رئيس المخابرات العامة – هذا يوضح الفرق بين مرحلة السادات وناصر – استمر في عمله لمدة 3 سنوات منذ 1972 حتى 1975، اعتُقِد السبب في ذلك أن مهمته انتهت عند هذا الحد وأصبح للدولة توجه جديد، وتم تعيينه بعد ذلك سفيرًا في الصين من أجل التكريم.

نصل هنا لمرحلة مهمة جدًا، هي مرحلة ما بعد حرب 73، بالرغم من استمرار السادات في الاستعانة برجال عسكريين فقط لقيادة المخابرات، إلا أنه في هذة المرة اختار عسكريًا بنكهة مفاوض، كما عادت مرة أخرى تدخلات المخابرات في الحياة العامة، فاختار كمال حسن علي الذي كان يعمل مدير سلاح المدرعات، ثم قائدًا عامًا للقوات المسلحة لرئاسة المخابرات العامة سنة 1975، وظل في منصبه حتى عام 1978، فأصبح وزيرًا للحربية حتى عام 1980، بعدها استعان به مبارك ليكون رئيسًا للوزراء ووزيرًا للخارجية ومفاوضًا عسكريًا مع إسرئيل، وأعتقد أن هذا كان نوعًا من أنواع الثقة ورد الجميل، فالجدير بالذكر أن من أهم أسباب تعيين مبارك نائبًا للسادات كان كمال حسن علي رئيس المخابرات وقتها، بعدها تم تعيين محمد سعيد الماحي رئيسًا للمخابرات العامة منذ 1978 حتى 1981 قبل مقتل السادات بوقت قصير، شغل منصب مدير إدارة المدفعية قبل ذلك وكبير الياوران، هذا يدل على معايير الاختيار عند السادات.

كما تم تعيينه محافظًا للإسكندرية بعد ما ترك المخابرات وهذا أيضًا يدل على عودة المخابرات لإدارة البلاد، ثم نصل لشخصية مهمة وليست مهمة بسبب إنجازات ولكن لسبب آخر. محمد فؤاد نصار، تولى رئاسة المخابرات العامة في أواخر أيام السادات واستمر في منصبه حتى عام 1983. أعتقد بسبب كفاءته في حادثة اغتيال السادات!

ولكن هذا ليس ما يستوقفنا أمام محمد نصار، ولكن ما يستوقفنا هو المناصب التي تولاها، فقد كان بعيدًا عن المناصب الكبيرة في عهد ناصر كعادة من استعان بهم السادات في حياته، شغل منصب مدير المخابرات الحربية منذ 1972 حتى 1975، ثم عمل بعدها محافظًا للبحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح، حتى تمت الاستعانة بخدماته مرة أخرى رئيسًا للمخابرات العامة، وهذا يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن بعد عام 1975، تغير فكر السادات وعادت مرة أخرى المخابرات للتوغل في حياة المصريين.

المخابرات العامة منذ تم تأسيسها وهي تسيطر على الحياة المصرية، فمن أهم قرارات ناصر مجانية التعليم وكان هذا من أجل أن يتأكد أن جميع الأطفال سيتعلمون ما يريد أن يعلمهم إياه وينشئ أجيالاً تعلمت ما يريده، كما أشرنا إلى تحكم المخابرات في الفن والصناعة والتجارة والإعلام، فوزارة الإعلام كان يديرها رجل مخابرات بشكل مباشر تحت مسمى وزير، لم تتغير الأمور بعد النكسة، فظلت المخابرات هي من تحكم، ولكن تغيرت الأمور بعد وفاة ناصر، فناصر قام بإنشاء المخابرات من أجل هدفين مهمين وأهداف فرعية أخرى.

الهدفان هما، المحافظة على النظام العسكري في مصر والحفاظ على الفكر الناصري، لكن السادات بعد الحرب وبعد ما أخذ ما يريد منها من تثبيت نفسه والدولة العسكرية بغض النظر عن الثمن حتى وإن كان وضع مصر تحت الحراسة وخيانة شركاء الميدان، استطاع القضاء على الفكر الناصري لكن بقيت الفكرة الأساسية موجودة، فالمخابرات أصبحت لها عقلية جديدة، لا يهم اسم من يحكم، ولكن المهم أن يكون عسكريًا. لم يقض السادات فقط على الفكر الناصري، ولكنه قضى على كل أشكال الفكر، أصبح الاقتصاد قائمًا على الاستهلاك، النظام الاجتماعي أصبح مشوهًا، حارب الجميع وبالتأكيد رجال الدين، جعل جزءًا كبيرًا من الشعب لا يهتم سوى بالأكل والمخدرات والجنس، التعليم مستواه زاد انحطاطًا، تم تشويه الحياة الفنية فظهر في عهده نوع جديد من أنواع الأفلام “أفلام المقاولات”، وكل هذا كان بتخطيط وإشراف جهاز المخابرات العامة، وكل هذا بدأ سنة 1975، والدليل مذكرات السادات التي اعترف فيها بأنه كان ينقل للشعب ما يريد أن يثبته في رؤوسهم عن طريق الإعلام وهذا أكبر دليل على استخدام الإعلام في هدف آخر غير هدفه، وكان ينقل هذه التعليمات عن طريق الليثي ناصف أو هيكل.

الديكتاتور لا يريد سوى جهل، غباء، مرض، لا وعي، تدنٍ أخلاقي وفقر، كل هذا من أجل أن يظل مسيطرًا، والديكتاتور الذي أتكلم عنه ليس ناصرًا فقط ولا السادات، ولكني أتكلم عن النظام العسكري. النظام العسكري لو كان قائمًا على شخص كان قد انتهى بعد وفاة ناصر، ولكن النظام العسكري يرعاه جهاز تم إنشاؤه بواسطة النظام العسكري؛ كي يحميه ويحافظ عليه للأبد وهذا الجهاز هو المخابرات العامة. وسنواصل في المقال القادم كشف ما وصل إليه هذا الجهاز من تخريب لحياة المصريين حتى ثورة يناير المجيدة.

يُتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد