التهبت حياة أمجد بالأحداث الساخنة الكثيرة المتتالية التي شهدتها مصر، فنجم التيار الإسلامي آخذ في الصعود بقوة في سماء العالم السياسي، كل الاستحقاقات الانتخابية أسفرت عن انتصار الإخوان بشكل أقلق رفاق الميدان الثوري قبل العسكر الذي كان يعمل بهدوء وبعيدًا عن الضوء ويستخدم أسلحة فتاكة تلعب بالعقول والأفئدة وتنتقل من نجاح إلى نجاح بشكل خفي.

وكان أمجد أحد الأبواق المستترة بمقالاته النارية بشكل رفع رصيده وشعبيته وجماهيريته كثيرًا، أصبحت الناس تنتظر تحليلاته ومقالاته ورؤيته، كان أستاذه يدفع فيه إلى هذا الاتجاه ويشجعه ويحميه حتى وصل لمرتبة نافسه فيها وبدأ يسحب البساط من تحته فأوجس في نفسه خيفة من تلميذه الذي شب عن الطوق وبدأ يبني عالمه الخاص بنفوذه الجديد.

انسابت الذكريات تترى إلى عقله بشكل أزعجه فنظر في ساعته وسأل نفسه: ترى لماذا تأخرت رُقي؛ وألقى نظرة سريعة على الفتاة التي واجهت أهوالًا شديدة في هذا اليوم الذي لم يتحمل هو أن يواصل مشاهدة المجزرة فيه، ترى هل بما فعله طوال العامين الماضيين يكون مشاركًا في إثم هذه الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت بلا جريمة؛ كل جنايتها أنها دافعت عن حقها في الاختيار الحر في الحياة بكرامة.

هل يستطيع أن يعيش ويتحمل هذا الوزر الذي يكلل جبهته؛ كيف سينظر إلى نفسه في المرآة. انهار تمامًا وهو يستدعي تلك الكلمات البراقة من الضابط ذي الرتبة الكبيرة الذي أقنعه بأن مصر عندما تنادي فلا يجب أن تتأخر. كان أمجد بالنسبة لهم الشخص المثالي فقد كان ناشطًا سياسيًا له حضور بين جمهور الشباب الثائر كما كان يمتلك مواهب صحفية وإعلامية جعلت له حضورًا بين الشريحة المثقفة. وقد أدى الدور المطلوب منه بجدارة في تشويه صورة أي معارض مهما كان انتماؤه؛ كانت كلماته وحضوره الإعلامي عاملًا في شق الصف الثوري، كانت عاملًا في التفريق بين رفقاء الميدان؛ كانت المعلومات والصور والبيانات تصله بشكل جاهز فيه نسبة الصدق؛ أصبح ملهمًا للجماهير.

كان نجمه يزداد سطوعًا عندما كانت رُقي تغطي أحداث العباسية باعتبارها صحفية في إحدى الجرائد المستقلة وتم اعتقالها من داخل مسجد النور مع عدد من الصحفيين والفتيات الأخريات اللاتى احتمين بالمسجد من غاز وخرطوش الشرطة العسكرية؛ بعد مرور يومين قاسيين عليها وعلى زملائها في النيابات العسكرية وتحقيقات متنوعة ولم يخل الأمر من تحرش جنود الشرطة العسكرية بهن. استطاع أمجد بنفوذه أن يتدخل لإخلاء سبيلها بعد أن أفزعه صوت والدتها الباكي في التليفون.

طوال الطريق من مدينة نصر حيث مقر س18 للنيابة العسكرية إلى بيتها لم تتفوه بكلمة واحدة ولم تعاتبه ولم يعاتبها، كان الموقف صادمًا لها وله فالنار بدأت تحرق أقرب الناس إلى قلبه، هناك شيء ما خطأ؛ وصل إلى بيتها. أشارت له بالتوقف نظرت إليه نظرة لا معنى لها ولكنها تحمل من القسوة والتحدي ما لم يعهده فيها من قبل؛ وسألته سؤالًا واحدًا هل تعرف أنني توصلت للطرف الثالث الذي يتحدث عنه الجميع؟

نظر لها بدهشة، ما دفعها لأن تستطرد الجميع يتحدث عن هذا الطرف وأنه السبب في كل ما نحن فيه؛ ما حدث معي اليومين الماضيين كان عصيبًا وهو يحدث للمئات بل للآلاف يوميًا على يد العسكر لكن لحسن الحظ أن معي الطرف الثالث؛ أنت يا أمجد الطرف الثالث، صرخت في وجهه أنت الطرف الثالث.

وتركت السيارة وهرولت إلى بيتها بسرعة. لم يتمالك هو نفسه وأخذته رعدة شديدة؛ كيف تجرؤ على أن تتهمني بهذا الاتهام؟ وأدار السيارة وانطلق مغضبًا، و…

طرقات خفيفة عبر نافذة سيارته سحبته من شريط الذكريات هذا، التفت فوجد رُقي نفسها التي عرفها منذ أيام الدراسة نفس الروح الوثابة والهدوء والرزانة، روحه هي التي أصابها شرخ عميق جائر قتل فيه الإنسان وأطلق فيه أمجد آخر غير الذي تعرفه رُقي، وهي بمجرد شعورها بحاجتها إليه لبت النداء ولم تتأخر وها هي تقف بين يديه لتساعده في أزمته.

ترجل من السيارة واستقبلها بشرود قائلًا: آسف… لم تكن الكلمة تعني شيئًا محددًا؛ هل يعتذر لها عن طلبها في هذا الوقت وهذه الظروف الحرجة أم يعتذر لها عن ابتعاده طوال تلك الفترة أم يعتذر عن خطئه في التقدير. كانت كلمة صماء لا تغني ولا تسمن من جوع؛ لكنها كانت كريمة معه وتجاوزت ذلك والتفت حول السيارة، فتحت بابها واحتضنت الفتاة الصغيرة النائمة، جلس بجوارها. قالت له أعطني رقم الهاتف، اتصلت من هاتفها رد عليها صوت عميق أسيف، سألته عن صاحب الهاتف فجاء الرد نحن في مسجد الإيمان. قالت سأصل حالًا إليك.

انطلق أمجد بالسيارة تجاه مسجد الإيمان فقد كانت المسافة التي تفصله عن المسجد قليلة، وصل فوجد حشودًا غفيرة وجثثًا تدخل المسجد وأخرى تخرج لم يستوعب الأمر في البداية، فقالت رُقي هؤلاء شهداء الإخوان في مجزرة ميدان رابعة العدوية، يبدو أن والد الطفلة مشغول…

لم تكمل كلمتها رن جرس هاتفها وجدت الصوت العميق الأسيف يقول لها أين أنت يا سيدتي؛ قالت أمام المسجد. قال لها أنا أيضًا أمام المسجد ومعي طفل صغير؛ رأته من بعيد. فحملت الطفلة وذهبت إليه، دار بينهما حوار قصير وأشار على جثة مسجاة على الأرض. اقتربت منها ونظرت إلى وجه الشهيد وصرخت وانهارت، طار إليها أمجد ولم يكد يصل إلى الجثة حتى فقد صوابه.

 نظر إلى رُقي فاقدة الوعى وإلى الطفلة والطفل اللذين احتضنا الجثة وهما يبكيان.

 أخذ يضرب نفسه ويلطم خده وهو يقول نعم أنا السبب أنا السبب أنا الطرف الثالث أنا الطرف الثالث يا محمووود…

                                                    … واحتضن جثة صديقه الإخواني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد