خيارات الحركة السياسية السودانية

(1)

ليس هناك فاعل واحد أو جماعة أو حركة منفردة يمكن لها أن تنتهض بتحقيق الآمال الإنسانية، لكن هناك عدة نقاط للانخراط السياسي التي يمكن أن توفر الأساس الجيد للتفاؤل. *أنتوني جيدنز

 

قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب. *الإمام الشافعي

عند هيجان النفوس بالثورة ربما لا يستطلف كثيرون الحديث بمنطق غير منطق التغيير الجذري الذي يريح أنفسهم الهائجة وعواطفهم المتأججة، وهو شعور طبيعي نتفهمه ضمن سياق الفعل ورد الفعل العادي للإنسان حين الغضب ونفاذ الصبر، لكن الله خلق العقل ليزن العاطفة، وخلق المنطق ليعدل الخيال وفي الشريعة منهاج للضبط يمنع الانزلاق نحو التطرف النفسي والفكري في الحكم على الأشياء من حولنا.

لقد عانينا طويلًا في بلادنا من الأحادية والإقصاء بسبب الأيدلوجيا الفكرية لليمين واليسار ولقد تبنت كل الأنظمة السياسية تقريبًا في السودان أنماطًا متعددة لإدارة الدولة في السياسة والاقتصاد، غير أن كل هذه النماذج المستوردة لم تجد فتيلًا وأوردتنا المهالك بفعل التجارب غير الممنهجة والملائمة للبيئة الاجتماعية السودانية التي أصبحت حقل تجارب لكل أنواع الفكر السياسي والاقتصادي دون طائل. ولقد جربنا في النظم السياسية الشمولية والديمقراطية والعسكرية والمدنية وحتى التكنوقراط ولكن الأزمة ما زالت لا تبارح مكانها منذ الاستقلال، حيث تعاني البلاد من الضعف والفقر والمرض، وتستوطنها أمراض القرن الماضي والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقرن الجديد قد دق أبوابنا منذ تسعة عشر عامًا!

وثمة ما يحيرني ويحير كثيرًا من المراقبين في العالم ضعف قدرة الساسة السودانيين في استخلاص العبر واستقراء الحوادث ودراسة النتائج مع إصرار عجيب على إعادة إنتاج الفشل وتدويره مع توريثه للأجيال جيلًا بعد جيل! كأنها لعنة صالح على هذا الوطن المنكوب ببنيه والذين لا يكادون يتفقون على شيء! وهذه (الارتجالية الثقافية) سببها عقم فكري نظري ساكن ومستقر عند كثير من أهل السياسة في السودان منذ أن أجهضنا حلم الأستاذ أحمد خير المحامي قبل الاستقلال ببناء جيل مثقف مستقل بذاته ومنذ أن أجهضنا مشروع عرفات محمد عبدالله الفكري ومعاوية محمد نور وغيرهم من أفذاذ الحركة الفكرية الناشئة واخترنا الطريق السهل كعادة (نمط تفكيرنا الانتهازي) الدخول ضمن حيازة الطائفية السياسية لبناء الأحزاب السودانية أو انتهاج الراديكالية اليمينية واليسارية في ظل غياب كامل لمشروع سياسي وطني ينطلق من الذات السودانية المستقلة.

رؤية (الطريق الثالث) هي مسار لإعادة التموضع (للعقل السوداني) الذي يعشق الحلول السريعة والثائرة! وهي عين مشكلة من (يعمل ثم يفكر)! ليبحث بعدها عن طوق النجاة. والطريق الثالث ليس بدعة جديدة ولكنها رؤية ذات أسس فلسفية عالمية جربتها دول عديدة أشهرها (السويد ) في أوروبا وآمن بها توني بلير رئيس وزراء بريطانيا (1997 – 2007) وكتب حولها كتابه الصادر عام 1998 والموسوم بـ«الطريق الثالث سياسة جديدة للقرن الجديد» باعتبارها الطريق لعصر جديد، غير أن افكار الطريق الثالث يمكن أن تعود في أصلها لأول مرة عام 1936 على يد الكاتب السويدي «arquis Child» كتعريف لطريق هو طريق الوسط بين مفهومي الليبرالية الاقتصادية والاشتراكية الماركسية، فهو أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي وطور أفكار الطريق الثالث وأبرزها العالم الكبير البريطاني أنتوني جيدجنز صاحب نظرية الهيكلة structuration. وهو أستاذ علم الاجتماع بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وله مؤلفات عديدة فاقت الأربعة والثلاثين مؤلفًا ترجمت لأكثر من ثلاثين لغة حول العالم.

لم ترق لي أفكار (الطريق الثالث) باعتباراتها الاقتصادية فحسب، ولكن منهجيتها المستقلة والمتحررة في رسم طريق جديد للنجاة من غول الرأسمالية وتوحشها ومثالية الاشتراكية ونرجسيتها ورأيت فيها اتساقًا مع شريعة الإسلام الوسطي، الذي يبحث عن (أيسر الأمور) للناس والحكمة ضالة المؤمن، وهي كذلك أقرب للمزاج الشعبي السوداني المعتدل المتسامح رغم الشروخ التي حاول بعضهم صدعها فيه وقد رأيت أن تتسع كرؤية سياسية عامة يمكن تداولها في الحركة السياسية السودانية لتشكل أساس رؤية حديدة لإعادة التفكير في نمط سلوكنا السياسي الملغي للآخر والذي يفترض انه سيبدأ (الصحيح) فور ذهاب هذا النظام أو ذاك ولكن ما يلبث أن يتعثر لنبدأ الجلقة الجهنمية من جديد للبحث عن منقذ ممن ادعى أنه يريد إنقاذنا!

التوبة أولًا

جميع القوى السياسية السودانية تحتاج لمسار التوبة السياسية من الفشل وإعادة وتدوير الفشل. على الأجيال والتوبة المقصودة تبدأ بإعادة النظر في الأفكار والسلوكيات السياسية التي يزعم كل فريق أنها الملائمة للإصلاح من حيث ملاءمتها للتطبيق وليس من حيث كينونتها هي نفسها فكل صاحب رؤية بها معجب! لقد هزم الواقع السيسيولوجي السوداني كل النظريات ولفظها لمزبلة التأريخ بعد ان لاكها ولم يستسيغها لأنه لا تشبه علله ولا تشخص مرضه ولقد حاولت الراديكالية السودانية إرغام هذا الواقع الشعبي قبول دوائها رغمًا عنه بفعل سياسات أحادية مستبدة مستمدة من الأيديولوجيا والثيوقراطية الاجتماعية التي ترى الآخر لا بد من قمعه وإسكاته لتنتصر فكرته العظيمة! وذلك لعمري خبال لم نستطع تجاوزه منذ الاستقلال حين تم إقصاء اليسار فانقلب علينا بانقلاب مايو 1969 وحين تم استضعاف اليمين فانقلب علينا بانقلاب يونيو 1989 وحتى إقصاء القيادات الدينية أو الشعبية أضاف مزيجًا من الضغينة السياسية أسهم في تعاون (العسكر وبعض المثقفين والمدنيين) أحيانا ضد الطائفية أو الطائفية مع المدنيين ضد العسكر وأحيانًا الطائفية ضد المثقفين أو المثقفين ضد بعضهم! كما حصل للأزهري والمحجوب حين غدرت بهما أحزابهما أكثر من مرة ضمن سياق ما أسميه دومًا (الغتاتة السياسية السودانية الشهيرة) والتي بدأت منذ دخول محمد علي باشا السودان واستمرت مع غزو كتشنر حتى اليوم! ولهذا زمنه ووقته يومًا من الدراسة والبحث.غير أن هذه التوبة تتطلب الاعتراف أولًا بضرورة البحث عن طريق ثالث موصل للتنمية بدون استبداد وللديمقراطية دون هشاشة وضعف وهذا يتطلب إجرء حوار مستقل وحقيقي داخل منظومات العمل الوطني السوداني بكل شفافية وهدوء ودون أبوية واستخدام نبرة الأخ الكبير أو الشيخ العالم ودون استبداد بميراث التجربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات