الصراع العربي- الإسرائيلي، والصراع العربي- العربي:

خلال أيام الحرب على غزة شهدت مواقع التواصل الاجتماعي دعوات عربية وعالمية لحملات دعم وتأييد لغزة من ناحية، ومسيرات احتجاجية ضد الحرب عليها من ناحية أخرى، وقد كانت الاستجابة لمثل هذه الدعوات استجابة كبيرة، أظهرت تعاطفًا، وتفاعلاً كبيرًا مع الأحداث الجارية على الأرض.

هذا التعاطف والتأييد لم يكن ليرى خلال العامين الأخيرين من الثورة السورية أو المصرية، وبطريقة أخرى: إن شبه الإجماع على عدالة المعركة في غزة، والإيمان بها كمركزية مقاومة وتحرر من الناحية الوطنية والإنسانية، كان إجماعًا يخلقه الحنين إلى معركة واضحة الأطراف والتفاصيل، وربما هذا ما جعل الجماهير العربية تتحرك بهذه الصورة ضد قصف المدنيين في غزة، في حين أن الدم السوري الذي لم يتوقف عن النزيف الحاد جراء القصف بالبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيماوية أصبح معتادًا ويوميًّا بلا أيّ تفاعل جماهيري، فكيف يمكن أن نرى الصراع العربي – الإسرائيلي، في ضوء الصراع العربي – العربي؟

 

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالإشارة إلى نقاط محورية:
أولاً– إنَّ الحرب الساخنة التي تخوضها غزة بين فترة وأخرى، هي حربٌ قصيرة الأمد، تبرز كحادث مفاجئ على شاشات التليفزيون بعد حديث طويل ومعتاد عن الحصار الذي لا يحرك تعاطف المتابع العربي، لكن الحرب بحد ذاتها، حين تحدث تكون حدثًا بارزًا، لن تكون متابعتها سوى متابعة قصيرة، وحماسية.

 

في المقابل: فإنَّ ما فقدته ثورات الربيع العربي – مع الوقت- هو إيمان الإنسان العربي بها؛ لقد اختلطت أوراقها، وطال أمدها، حتى بدت ثورات بلا أمل، وبلا جدوى.

ثانيًا: إن الحرب التي تخوضها غزة حربٌ تقوم على ثنائية متعمقة في الوعي الجمعي العربي: العرب ضد إسرائيل ؛ لذا فإن مخزون الحماس لغزة لا يستمد فقط من حربها الحالية، بل من تاريخٍ طويلٍ من الصراع الذي شكل دائمًا عنفوانُه شكلَ الخارطة العربية، فطالما تحددت مكانات الدول العربية من الناحية السياسية بحسب موقفها وتفاعلها مع القضية الفلسطينية.

أما ثورات الربيع العربي فقد قامت متعارضة مع أفكار أخرى كانت قد صاغت تشكل العقل العربي فترات طويلة: بدءًا من طاعة ولي الأمر (تلك المسألة الفقهية المتأصلة في مذاهب السلفية)، وانتهاءً بنظرية (المؤامرة) التي آمنت بها جميع التشكلات الأيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بدرجات متفاوتة في زمن التراجع والهزائم.

 

ورغم أن هذه الثورات قد بدأت قوية وجماهيرية، إلا أنها مع بداية تعرضها لأزمات – من الطبيعي أن تتعرض لها أي ثورة – بدأ الثائرون أنفسهم في التشكيك بجدوى ثوراتهم، وربما هذا التشكيك يعود إلى أفكار أكثر تعمقًا في الوعي العربي من فكرة “الثورة”.

 

ثالثًا: إنَّ الوضوح الثنائي يسهل على المتابع اتخاذ موقف بسهولة شديدة: إما أن يكون مع إسرائيل، أو مع المقاومة (بغض النظر عن المرجع الأيديولوجي لهذه المقاومة)، فمع الإنجازات الكبيرة لحركة حماس خلال الأيام الأولى من الحرب، لم يعد التنظير والمرجعيات والأصول الحمساوية مهمة إذا ما قورنت بحجم الإنجاز الكبير الذي حققته في إذلال إسرائيل بالصواريخ والعمليات البحرية والبرية، لذا لم يكن غريبًا أن نقرأ تعليقات لشباب ليبراليين ومعارضين للحكم السياسي الإسلامي تؤيد المقاومة في غزة، وتتمنى الانضمام إلى صفوفها. هكذا كان غياب الاهتمام بالمرجعية الأيديولوجية في ظلال الإنجاز المتحقق على الأرض عاملاً مهمًا في تحقيق وحدة في ردود الفعل من أطراف متباينة ومتناقضة فكريًّا.

 

في المقابل: فإن غياب الوضوح الثنائي في الثورة السورية، وبروز المرجعية الأيديولوجية للإخوان مع قلة الإنجازات الفعلية ساهمتا إلى حد كبير في تشتت الموقف، وغياب الرؤية.

رابعًا: يوتوبيا المقاومة الفلسطينية:

منذ بداية العهد الاستعماري الذي تلا سقوط الخلافة العثمانية، كانت قضية نضال الشعب الفلسطيني قضية مختلفة ومتمايزة عن بقية الشعوب العربية؛ فمقابل الاستعمار الاقتصادي والثقافي والعسكري في الدول العربية، كان في فلسطين استعمار إحلالي يقيم دولة مكان أخرى بمبررات دينية، بل إنه لم يكن استعمارًا يهدف إلى مكاسب اقتصادية وسياسية بقدر ما كانت فلسطين وطنًا بديلاً لعرقٍ غير مرغوب فيه.

 

إن هذه الفوارق جعلت المقاومة الفلسطينية تتخذ شكلاً متمايزًا وقديسيًّا في الوجدان العربي، خاصة وأن الشكل الأولي الذي اتخذه الصراع كان “صراعًا دينيًّا” لمرجعيات مرتبطة بروح العقيدة التي يدين بها كل العرب، وهكذا أخذت صورة المقاوم الفلسطيني تترسخ بشكل وجداني عميق في الخيال العربي، مما جعل صورة الملثم “أبو عبيدة”، أو محمد الضيف صورة رمزية ليوتوبيا واسعة من حلم الكرامة، والتحرر العربي.

 

لقد بدت غزة في حربها الأخيرة كيوتوبيا خرافية لكل الحالمين، واليائسين الذين هزتهم الانقلابات أو الثورات المضادة، أو التدخلات الأجنبية، أو الانشطارات السياسية التي أعقبت شهور الربيع العربي الأولى، وهكذا كان المقاوم الفلسطيني الملثم والغائب عن التسمية الحقيقية يمثل ملجأ من واقع الهزيمة والإرباكات الأيديولوجية التي لا تنتهي إفرازاتها يومًا بعد يوم، والتي شكلت داعش أكبر صدماتها.

 

لكل هذه النقاط مجتمعة، يبدو أن مسألة حسم الصراع العربي- الإسرائيلي مسألة أقل تعقيدًا من حسم الصراع العربي- العربي، وأن الأزمة الحقيقية التي تواجهها المجتمعات العربية هي أزمة تنتمي إليها، قبل أن تنتمي إلى أي محددات تشكلها أطراف خارجية.

 

هل أخطات حماس التوقيت؟

في بداية الحديث عن حرب التسمية ـ في المقال السابق ـ قلنا إنَّ حماس اعتبرت هذه الحرب امتدادًا لحرب “حجارة السجيل2012″، مع فارق مضاعفة الاستعداد العسكري، حيث أطلقت عليها اسم “العصف المأكول” بناء على تتابع الآيتين في النص القرآني.

 

والحقيقة، وما تقرُّهُ الوقائع، أنَّ حماس لم تبدأ هذه الحرب، لكنها لم تمانع استقبالها، واعتبارها فرصة جيدة لإعادة رفع شعبيتها الجماهيرية محليًّا وعربيًّا، خاصة بعد توقيع المصالحة وانسحابها “الشكلي” من الحكم السياسي في غزة، إضافة إلى الحصار الخانق الذي وصل ذروته مع وصول السيسي إلى سُدَّة الحكم في مصر.

 

لقد كانت بحاجة إلى الحرب لفرض شروط فك الحصار، وإعادة الهيبة العسكرية التي لطالما منحتها سلطة أعلى من سلطة الحكم السياسي ذاته، وربما اعتقدت حماس أن هذا هو الوقت المناسب للتحرك في الاتجاه العسكري، مع الاستناد إلى الدعم القطري التركي الذي يبدو أنها كانت تعول على دوره كلاعب أساسي في المنطقة، كان ذلك بالتوازي مع بذور التحرك الثوري في الضفة، والذي قال بعض المحللين إنه يبشر بانتفاضة جديدة، لكن المعركة أثبتت أن حماس عوَّلت على الضفة أكثر مما يجب، وأكثر مما بإمكانها فعله، وقد كانت هذه النقطة مؤثرة إلى حد بعيد في التأُثير على مسار الأحداث خلال الحرب.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه مع نهاية هذه الحرب، هل كان الاستعداد العسكري – وحده- كافيًا لتحقيق انتصار على إسرائيل وحسم المعركة، وهل كان الوقت، والظرف الإقليمي مناسبين لخوض حربٍ بهذا الثقل؟

 

إن إسرائيل 2012 التي لم تحتمل خوض حرب تزيد عن ثمانية أيام، لم تختلف كثيرًا عن إسرائيل 2014 سوى في زيادة تصدع الجبهة الداخلية التي لم تستطع الصمود طويلاً تحت رشقات صواريخ المقاومة، خاصة مستوطنات غلاف غزة، فما الذي جعل هذه الحرب تكون أشد شراسة، وأقل إبهارًا من ناحية الإنجازات السياسية؟

يمكن القول إن إسرائيل والمقاومة الفلسطينية كانتا راغبتين في أن تكون هذه الحرب حاسمة وأخيرة، بحيث لا تكون هناك حرب رابعة بعد فترة زمنية قليلة؛ مما أدى إلى إطالة أمد الحرب، واستنفاذ أقصى طاقة ممكنة لتحقيق الانتصار.

 

لكن هذا السبب – وحده- لم يكن كافيًا لتبرير شراسة إسرائيل في استهداف المدنيين، وقصف المنازل السكنية، إضافة إلى التغيير الاستراتيجي في عقيدتها الأمنية والعسكرية؛ إذ تنص العقيدة العسكرية الإسرائيلية على عدم إطالة فترة الحرب، لأن إسرائيل لا تحتمل خوض حروب طويلة، خاصة وأنها تعتمد في حربها على مجندي الاحتياط الذين هم وقود الحياة المدنية، إضافة إلى أنهم غير مؤهلين – بشكل كافٍ- لخوض حروب عنيفة تدوم فترات طويلة. فلماذا استمرت الحرب 51 يومًا؟

إن الظروف الإقليمية التي تتوحد فيها مصر مع السعودية والإمارات ضد جماعة الإخوان المسلمين وكل امتداد لها، كانت الداعم الأبرز لإسرائيل خلال حربها، بل إنها كانت فاعلاً رئيسًا انتقل من المربع العربي إلى المربع الإسرائيلي، وقد ظهر هذا جليًّا في الموقف الرسمي للإمارات ومصر، حيث كانت أصوات الإعلام المصري المؤيد للسيسي تعلن بصراحة تأييدها للحرب على غزة، كما جاءت المبادرة المصرية مبادرة تتفق مع الرغبة الإسرائيلية في وقف إطلاق النار أولاً، ودون مقابل أو وعود، تتلوها مرحلة المفاوضات من أجل المطالب الفلسطينية.

 

لقد حاولت حماس في البداية إبعاد مصر عن خط مفاوضاتها، واستبدال الدور المصري بالدور التركي القطري، لأنها كانت تعلم تمامًا أن مصر في عهد السيسي لن تكون وسيطًا، بل ستكون طرفًا له هو الآخر أهدافه التي سيفاوض لأجلها بشراسة، هذه الأهداف التي تتفق – إلى حد بعيد- مع الأهداف الإسرائيلية من الحرب، لكنها في النهاية وجدت نفسها مضطرة للخضوع إلى حتمية “الشراكة الجغرافية”، والتي تجعل مصر معبرًا لا بد منه.

 

لقد فشلت حماس في التخلص من الشراكة المصرية، ووافقت مضطرة تحت ضغط الجرائم الإسرائيلية ضد المدنيين، وهكذا كان على حماس إما أن تختار مصر كوسيط، وإما أن تستمر الجرائم الإنسانية ضد سكان القطاع.

 

وفي اللحظة التي بدأت فيها المفاوضات، كانت حماس قد تورطت في حرب سياسية شرسة (لم تكن جاهزة لخوضها) ضد جبهتين: المصرية، والإسرائيلية. وقد صرح كثير من المحللين الإسرائيليين متذمرين من كون مصر هي التي تعرقل التوصل إلى اتفاق، في سبيل تحقيق مصالح مصرية بحتة تخص الشأن المصري أولاً، إذ إن النظام السياسي المصري المعادي لجماعة لإخوان (والذي يعتبر حماس امتدادًا لها) لن يكون سعيدًا إن حققت حماس أي إنجازات تزيد من صعود نجمها في المنطقة.

هكذا، ومع كل مرة فشلت فيها المفاوضات كانت الحرب تزداد ضراوة، والحقيقة أنه بعد الانسحاب البري، كانت المقاومة الفلسطينية قد استنفذت مفاجآتها، وربما كانت ستعاني مشكلة في الذخيرة لو امتدت الحرب وقتًا أطول، في المقابل كانت إسرائيل، ورغم تهاوي جبهتها الداخلية، ما تزال تملك الكثير من الخيارات لليّ ذراع المقاومة عبر الضغط على المدنيين، وهذا ما حدث فعلاً، غير أن هذا كله ما كان ليحدث لولا اعتمادها الكلي على الدعم المصري والعربي، الجليّ والواضح.

هكذا وقعت المقاومة الفلسطينية بين فكي الكماشة: إما القبول بالحل المصري، والذي لم يكن مناسبًا لحجم الإنجازات العسكرية والتضحيات الكبيرة في أرض المعركة، أو المُضيّ في الحرب وقطع الطريق إلى آخره، والذي لن يكون آخره سوى مأساة إنسانية، ونكبة ثانية.

في هذا الحل تم تأجيل مناقشة مسألة الميناء والمطار والأسرى، ليتم مناقشتها بعد شهر من تثبيت التهدئة، كما كان هناك حديث عن فتح المعابر، دون أي ضمانات أو حديث واضح عن معبر رفح وإدارته، مع التأكيد على إدخال المساعدات الإنسانية ومواد البناء اللازمة للإعمار، وزيادة مسافة الصيد: هذه الحلول تبدو شبيهة بتلك المطروحة منذ بداية المعركة، والتي كانت مرفوضة من قبل حماس أملاً في تحقيق شروط أفضل مع زيادة الضغط على الجبهة الإسرائيلية الداخلية، لكن العكس تمامًا هو الذي وقع.

 

هل يعني هذا أن المقاومة الفلسطينية هزمت؟

إن الحديث عن الهزيمة والانتصار في هذه المعركة لا يبدو مجديًّا، لقد حققت المقاومة الفلسطينية إنجازات مبهرة على أرض المعركة، فقد وصلت صواريخها إلى مدى لم تكن تتوقعه إسرائيل، وقد شلت الحياة الاقتصادية والمدنية طوال فترة الحرب، كما أن الحرب البرية أثبتت فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أي إنجاز يحفظ له الشرف العسكري، لكن هذا النصر العسكري لم يكن ذا جدوى في المسار السياسي، مما جعله يبدو وكأنه جاء في التوقيت غير المناسب، وبشكل أكثر يأسًا: لقد دفع الغزيون ثمن إنجاز عسكري لم يكن بالإمكان تسويقه سياسيًّا.

 

هكذا انتهت الحرب، وما زالت هناك طاولة للمفاوضات بأوراق بيضاء، تسعى المقاومة الفلسطينية لتحبيرها بشروطها، معولةً على ما تحتفظ به من أسرى أو جثث تراهن عليها في تحقيق مطالبها، غير أنه وبجميع الأحوال فقد كشفت هذه الحرب عن انقلابات جوهرية كان يجب الوعي بها في وقت سابق عن المعركة؛ فكما كشفت المعركة عن انهيار أسطورة الجيش الذي لا يقهر، فقد أظهرت – وبفجاجة- أن الصراع العربي- العربي يبدو هو الأكثر خطرًا، والأكثر براعة في هزيمة الخصوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد