على إثر ما لاقته القوات السورية في موقعة ميسلون من هزيمة أمام القوات الفرنسية في يوليو (تموز) 1920، اضطر الملك فيصل إلى مغادرة البلاد العربية متوجهًا إلى إيطاليا؛ عساه يجد حلًّا للقضية.

وبالفعل، في سبتمبر (أيلول) 1920 أرسل فيصل مذكرة، حملها عنه حداد باشا إلى لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية وقتئذ.

شكا فيصل في مذكرته ممارسات القوات الفرنسية المحتلة، كما ذكَّر بوعود بريطانيا لوالده الشريف حسين، الذي وعد العرب بالاستقلال، وبناء على هذه الوعود؛ فقد حمل العرب أسلحتهم ضد الأتراك، إلى آخر ما ورد في مذكرة فيصل. وإلى هنا نتوقف، على وعد بالعودة مرة أخرى للحديث عن فيصل في الموطن الذي تفرضه الأحداث، ولنذهب إلى سوريا لنرى ما شهدته البلاد بعد رحيل الملك.

وسوف أبدأ الحديث في مقالتي هذه، عما فعله الفرنسيون والبريطانيون من تغيير مدمر لجغرافيا أرض الشام، على أساس الأعراق والمذاهب والمصالح.

فبعد أن استتب الأمر للفرنسيين، وبعدما فرضوا الغرامات المالية الباهظة، بدأوا في مطاردة رجال العهد الفيصلي، فاجتمع المجلس العسكري التابع للفرقة الثالثة من الجيش الفرنسي في الشرق، في التاسع من أغسطس (آب) 1920، وأصدر حكمه موجِّهًا تهم التحريض على التخريب، وبث روح العداء ضد الفرنسيين من جانب هؤلاء «المقاومين» الفيصليين، وتنوعت أساليب العقاب، ما بين الإعدام، والنفي، ودفع الغرامات.

لقد ظنت فرنسا أنها سوف تطفئ جذوة الحماس في أفئدة العرب، بمجرد القضاء على حكومة فيصل، وملاحقة الرؤوس التي كانت تشارك في قيادة المشهد السوري. ثم، لقد أنشأ الفرنسيون في سبتمبر1920 دولة لبنان الكبير، بضم مدن طرابلس، وبيروت، وصيدا، ومنطقة وادي البقاع، وجبل عامل، وسهل عكار، إلى جبل لبنان.

إلى جانب ذلك، سلخ الفرنسيون أجزاء من ولاية حلب في الشمال، ومنحوها لتركيا، وذلك في أكتوبر (تشرين الأول) 1921. وهذا ما جعل الحدود التركية تقترب إلى مسافة 50 كليو مترًا من مدينة حلب، إضافة إلى ما لحق بحلب بعد ذلك بسبب التنازل عن لواء الإسكندرون.

لقد استمرت فرنسا في تدمير الأراضي السورية ومن عليها، إذ قسمت ما تبقى من البلاد إلى أربع دويلات تقسيمًا مذهبيًّا؛ كانت الدولة الأولى ذات أغلبية سنية عاصمتها دمشق، والدولة الثانية بأغلبية سنية أيضًا وعاصمتها حلب، والدولة الثالثة علوية، وأما الرابعة فكانت درزية، ومن ثم، ونتيجة هذا النهج الذي سار عليه البريطانيون والفرنسيون، فقد قَّسِمت بلاد الشام إلى هذه الدويلات، دولة فلسطين، وإمارة شرق الأردن، ودولة لبنان الكبير، ودولة دمشق، ودولة جبل الدروز، ودولة العلويين، ودولة حلب.

ولا شك في أن هذه السياسة الاستعمارية المدمرة قد أضرت بسوريا بالغ الضرر، فبهذا التقسيم المدمر، دخلت سوريا في مرحلة جديدة هي مرحلة الاختناق، إذْ على أثر التنازل عن بيروت وضمها للبنان فقدت دمشق إطلالتها الطبيعية على البحر المتوسط عبر مرفأ بيروت، وبإقامة حدود بين المنطقتين فقدت سوريا تواصلها مع فلسطين وشرق الأردن ومع العراق. ثم بالتنازل لصالح تركيا عن لواء الإسكندرون الذي كان مرفأً طبيعيا لحلب، تحولت حلب إلى مدينة محلية.

وأما إذا انتقلنا لإلقاء الضوء على الحالة الاقتصادية في عصر الانتداب الفرنسي، فلقد اتفق المؤرخون على أن الفترة الانتدابية الفرنسية على سوريا كانت كارثة بكل المقاييس، فبسبب تراجع الإنتاج، وانتشار الفقر والظلم، وارتفاع نسبة البطالة، وانهيار أجور الفلاحين، صار الناس يترحمون على أيام الأتراك مقارنة بما لاقوه من الفرنسيين.

فلقد قامت فرنسا بربط الاقتصاد السوري بالاقتصاد الفرنسي، وجعلت نقْدُ البلاد تحت سيطرة «بنك سوريا لبنان» الذي كان يعمل لمصلحة رجال الأعمال الفرنسيين، ولقد طغت البضائع الفرنسية على أسواق سوريا، وفُرِضت قيود لصالح فرنسا فيما تحتاجه من زراعات معينة، كالقطن، والحرير والتبغ، والحبوب، ومن ثم أصبح الاقتصاد السوري مسخًا. هذا مع الإشارة إلى انتشار شيءٍ من مظاهر الحداثة، وخاصة بعد تعبيد الطرق في المدن الرئيسية، وظهور الخدمات العصرية وقتئذ؛ كالبريد، والهاتف، ومحطات توزيع الكهرباء التي أسستها شركات فرنسية وبلجيكية.

لم يقف السوريون مكتوفي الأيدي أمام تلك الأحوال التي تشهدها بلادهم؛ فلقد شهدت البلاد موجات ثورية هادرة ضد الفرنسيين منذ البداية. ومنها ثورة المنطقة الشمالية الغربية في مايو (أيار) 1919. وثورة الدنادشة في المنطقة الوسطى «معركة تل كلخ» في ديسمبر (كانون الأول) 1919. وثورة إبراهيم هنانو في سبتمبر 1920. ومعركة العنابزة في منطقة الفرات في يونيو (حزيران) 1921. ومعركة الكفر بقيادة سلطان الأطرش في يوليو 1925. ومعركة المزرعة في أغسطس 1925. واحتلال منطقة حاصبيا وحصار راشيا، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1925.

لقد حقق الشعب السوري خلال مقاومته نتائج مبهرة، وذلك ما تسبب في وقوع خسائر فادحة للفرنسسين الذين كانوا قد حشدوا قرابة 90 ألفًا من الجنود والضباط للوجود على أرض سوريا ولبنان، ولقد خسر الفرنسيون في السنوات الخمس الأولى «1919حتى 1924» قرابة 9 آلاف جندي و250 ضابطًا، وذلك ما ذكره الجنرال ويغان في أحد خطاباته.

حتى إن الجنرال الفرنسي «موريس ساراي» الذي أصدر أوامره في أول أكتوبر 1925، بقصف مدينة حماة، وكذلك قصف دمشق في الثامن عشر من الشهر نفسه، قد دافع عن أوامره هذه لما عاد إلى فرنسا تاركًا منصبه، قائلاً: «إن بعض الكتاب الفرنسيين الذين يجهلون كل شيء عن سوريا، يجب ألا يلوموننا إن اتخذنا هناك بعض الإجراءات العنيفة، ويكفي أن يعرفوا أنه في عام 1922، نشبت في سوريا 35 ثورة، كان طعامها 5 آلاف من أبناء فرنسا، ما بين جندي وضابط.

كما خسر الفرنسيون خلال الثورة السورية الكبرى (1925-1927) قرابة ألفين من الجنود والضباط في منطقة جبل العرب، وألف جندي وضابط في منطقة دمشق والغوطتين، و1500 جندي وضابط في المناطق الأخرى «المنطقة الوسطى- منطقة القلمون- الجولان- حوران».

وعلى الجانب الآخر فقد وقعت خسائر في الصف السوري، بلغت 10 آلاف، منهم 6 آلاف أثناء الثورة السورية الكبرى، بين شهيد في ساحة الحرب، وقتيل تحت القصف المدفعي والجوي.

ويذكر أمين سعيد صاحب كتاب الثورة العربية الكبرى، أن عدد الذين ماتوا أو قُتِلوا بسبب الثورة أو بسبب أعمال الحريق والتدمير، قد يصل إلى 15 ألفًا، من النساء، والأطفال، والشيوخ، والرجال. إضافة إلى مثل هذا العدد قد استشهدوا في المعارك التي دارت مع الجيش الفرنسي.

لقد عاشت سوريا عصرًا من الاضطرابات والقلاقل وعدم الاستقرار مدة تزيد على 20 عامًا؛ نتيجة لممارسات وسياسات الانتداب الفرنسي، ولقد استمر ذلك حتى قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939.

فعندما انهارت الجبهة الفرنسية أمام جيوش هتلر عام 1940، وبات الجيش الألماني يطل على بريطانيا عبر قناة المانش، ويقصف لندن قصفًا يوميًّا في الغرب، ويغزو روسيا في الشرق، لتصبح أوروبا تحت نفوذه، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب التي استمرت حتى عام 1945. وقبل نهايتها كان الحلفاء يراجعون سياساتهم تجاه البلدان التي خضعت لسيطرتهم، ولقد رأوا أنه من الأفضلية، بل الضرورة، أن تستبدل بالهيمنة العسكرية المباشرة على تلك البلدان، علاقات نفوذ واتفاقات.

وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، اختلفت كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكا حول وضع تلك البلدان «المستعمرات»، وفي وقت كانت فيه الجبهة الفرنسية ضعيفة، ضغطت لندن وطالبت باستقلال لبنان وسوريا من السيطرة الفرنسية.

ماطلت فرنسا في تنفيذ ما اتفقت عليه مع البريطانيين والأمريكان بشأن سوريا ولبنان. واستمرت على ذلك حتى قررت سوريا منع التدريس باللغة الفرنسية التي كانت قد فُرِضت على المدارس لتكون بجانب اللغة العربية، وبطبيعة الحال، فإن هذه الخطوة لم ترضِ فرنسا. ضغطت فرنسا على السوريين بغية توقيع اتفاق يضمن استعمال اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية، ويضمن «أي الاتفاق» مصالح فرنسا الاقتصادية، ويسمح بوجود قواعد عسكرية فرنسية على الأراضي السورية.

ولقد أعلنت فرنسا أنها لن تُسلِّم القوات الخاصة لحكومة سوريا، ولن تنسحب قبل توقيع هذا الاتفاق. بل لقد أرسلت قوات فرنسية إضافية إلى سوريا ولبنان عبر مرفأ بيروت، فاندلعت التظاهرات في سوريا، ووقعت مواجهات بين السوريين من جهة، وبين الجنود الفرنسيين من جهة أخرى. حتى قصفت فرنسا دمشق بالطيران الحربي مدة ثلاثة أيام.

تدخلت بريطانيا للضغط على الفرنسيين لإعادة جنودها إلى الثكنات، كما أعلن السوريون واللبنانيون صمودهم وعدم خضوعهم لأي مطالب أجنبية، ولقد دعمت الدول العربية هذا الصمود.

ومع إصرار الجانب الفرنسي على مطالبه، تقدمت كل من بيروت ودمشق بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي، الذي أصدر أمرًا لفرنسا بإخراج جيشها من سوريا ولبنان، وذلك بدعم سوفييتي وأمريكي.

في الثاني والعشرين من نوفمبر 1943، حصل لبنان على اعترافات دولية باستقلاله. وفي الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) عام 1946، أعلنت سوريا استقلالها دولة وطنية ضمن حدود جغرافية جديدة.

ولنتوقف عند هذه المرحلة المهمة من تاريخ سوريا، على وعد بالعودة إليها مرة أخرى بحسب تناول الأحداث.

إعدام الشرق والطريق الثالث.. أُكْمِلُ ما تبقى في كتابات قادمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي– ستيفن هامسلي
الثورة العربية الكبرى- أمين سعيد
تاريخ سوريا المعاصر- كمال ديب
تاريخ لبنان الحديث- كمال الصليبي
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد