ثلاثون عامًا قضاها «الراقصُ المخلوع» مُتربعًا على عرش السلطة في السودان، متوغلًا في العمه، والتسلط، والاستعلاء، وهو يظن نفسه منزهًا، مطاعًا، وأنّ الشعبَ مهما ذاق مُر كأسه، وتجرع ألوان الذل والهوان سيستمر في تقديسه!

ثلاثون عامًا تربع فيها حزب المؤتمر الوطني على عرش الحكم، رافضًا استخلاص العبر من الماضي والحاضرِ أيضًا، حتى صار فوق الخطيئة وأكبر من كل الأخطاء!

سرقوا الشعب باسم الدين، حتى هزلت الدولة وبدأ يتصدق عليها «أشرار العالم»، ليبقى البشير، ويستمروا هُم بدورهم في نهب ثروات بلادنا، وبالقبضة الحديدية ذاتها خنقوا الشعب السوداني من رقابه! جذّروا التخلف والفساد لأكثر من ربع قرن!

ثلاثة عقود من الزمان، ملأ فيها البشير السودان صراخًا وعويلًا مناديًا بالقيم السامية، والوطنيات الكاذبة، مُصادرًا قيم الشعب الجوهرية وحرياتهم، إذ كان يبطش بكل من يعارضه أو يحاول ذلك! ولم يسمح لشعبه أن يعي مفهوم الحرية، والوطنية، وأبعدهم تمامًا عن الاندماج الاجتماعي، الذي هو أساس الوحدة الوطنية، بل اتخذ من نفسه إلهًا تحت مظلة الرب!

ثلاثون عامًا بذل فيها «الراقص وأتباعه» كل ما في وسعهم للحفاظ على مواقعهم، وجعلوا الناس يخضعون لسلطانهم قهرًا بالقمع والترهيب!
وفي لحظات سقوطهم نازعوا على البقاء، وبطشوا وأراقوا الدماء، وأهلكوا شعبًا بكامله! حتى إن كل أزلامه «من الدول» والمتورطين في أغلب الجرائم التي ارتكب، استمروا في الدفاع عنه!

 

طيلةَ 30 عامًا فرض الرئيس المخلوع على الشعب ثقافةً مُسبَقة الصنع ومُمَنهَجة، تحصر كل شيء في المجتمع ضمن أُطُر وقوالب جامدة تدخل في خدمة سلطته الفاسدة، ووضع الفكر النقدي في موضع الفكر الهدام؛ ليصبح أي مَطلَب تغييري موصوم بروح سلبية وأهداف مَشبوهة! وصار الفكر منحازًا وقاصرًا وفاقدًا للقدرةِ على الاحتواء و الانفتاح على أي نهجٍ جديد! أضف إلى ذلك القمع الممنهج الذي تلقيناه على مر عقود! مما ساهم بشكل مباشر على استمرار النظام الفاسد!

بالترويض، التدجين، التضليل، شراء الذمم وبأساليب الأدلجة احتنكوا الشعب، وجعلوه في ذيل الشعوب! وبأساليب الإلهاء كان يحتكرُ المستبدون وسائل الإعلام القومية، ونجحوا بذلك في إبعاد المواطن عن التفكير، وانتهجوا سياسة غسل الدماغ، وركزوا فيها على إبراز النزعات الفردية؛ مما أدى إلى إضعاف الروابط الاجتماعية! وبأساليب التفكيك كانوا يقفون في وجه كل محاولات تجميع الشباب وتنمية قدراتهم، فتجدهم يخترقون الفضاءات الشبابية ويعيثون فيها فسادًا؛ حرصًا منهم على تفكيك بنية الجسم الشبابي!

ضيقوا على أصحاب المروءات من الفضاءات الجمعوية «الجمعيات النقابية والنقابات الطلابية»، وحاصروا الأنشطة الهادفة وأفرغوها من كل معنى!
للأسف لم يفهم البُسطاء أسس الصراع المُعاش لأنهم الأكثرُ جهلًا!

«نعَتَهُم الراقص في أحد خطاباته الرّجعية بالوجوه السمراء الغبشاء، والتي لم يكن يظن يومًا أنها قد تثورُ عليهِ»، وطبعًا هذه ليست سوى نتيجة التدجين الممنهج، الذي أبعدهم عن المفهوم السياسي الحر والديمقراطي!

الآن وقد ذهب الطاغية إلى الجحيم، «أكاد لا أصدق أنني أكتبُ هذه العبارة!» وجب علينا أن نخرج من قفص التدجين كما خرجنا عليه، وأن نتعامل مع هذه الأحداث الحالية بواقعية للحفاظ على مكتسبات ثورتنا المجيدة. وعلينا أن ندرك ونعي أن السبب الحقيقي في استمرار حكومة الاستبداد هذهِ لثلاثة عقودٍ من الزمان هو تشرذم وتناحر الأحزاب ومختلف التيارات السياسية والمدنية، ثم وقوعها في فخ السلطة؛ مما أدى إلى تفككٍ وضعفٍ واضح، استمدت منه السلطة المستبدة قوتها، ثم تجذّرت وجعلت من نفسها بديلًا مطلقًا للكل!

وبينما كان كل حزب وتيار يواجه السلطة المستبدة وهو معزول تمامًا وغير قادر على تعبئة الجماهير، كان الشعب قد ملّ الفقر والاستعباد، وأيقن في قرارة نفسه ألا أحد سينتشله من مستنقع البؤس الذي غرق فيه إلا يداه؛ فانتفض وثار تاركًا خلفه كل الأحزاب والتنظيمات السياسية المتباغضة، والذين وجب عليهم في نهاية الأمر أن يشدوا من أزر أبناء شعبهم، ويقفوا جنبًا لجنب في الشارع العام، دون أن يحاولوا صبغ الثورة بطابعهم، أو لونهم الخاص.

لكن يبدو أن البعض لم يفهم الدرس، ولم يدرك أن الشعب خرج وثار لأنه سئم الظلم والاستبداد وليس لأنه يريد تقديم حزب على آخر، أو تبديل حاكم بآخر، يجب أن تعي جميع الأحزاب والتيارات المتناحرة أن الشعب خرج من أجل الانتقال السلمي الجذري نحو الديمقراطية، التي تسمح لكل واحدٍ بأن يتقدم لتحمل المسؤولية عبر صوت الشعب وقراره، ولكن ليس لكي يفرض نفسه على الناس مدى الحياة، أو لكي ينصب نسقه ومرجعيته واختياراته وحدها، أو لكي يغير القوانين الديمقراطية بعد أن يستفيد منها للوصول إلى الحكم.

للأسف الصراع الذي يشتعلُ الآن بين الأحزاب والتيارات السياسية على أول ثمرة من ثمار الثورة السودانية المجيدة، يسمى سرقة واغتيالاً عن طريق استبدال نموذج مستبد بآخر أسوأ منه، وبعد أن فرغت السجون من المعتقلين السياسيين ستملأُ مرة أخرى بأتباع تيارات أخرى إذا استمر هذا الصراع!
وستعطى الحرية الكاملة لمنابر إعلامية معينة بعد إغلاق غيرها، وستُكمم أفواهُ الناسِ من جديد.

ثم ستنوم الثورة والثائرين، و يخدعون بأن الهدف قد تحقق بوصول هذا الشخص أو هذا التيار المعين إلى الحكم، وسيجري العمل عبر الأيديولوجيا على إشاعة الاعتقاد بأن الثورة قد حققت أهدافها بمجرد التخلص من الديكتاتور الذي أصبح رمزًا للشر المطلق، ثم ستوضع مرجعيةٍ وحيدةٍ شموليةٍ جامعةٍ مانعة، وعد ما سواها محظورًا ومضادًا لروح الثورة؛ مما سيقود الدولة إلى «العزلة عن العالم» من جديد.

لذلك أحذر من أن نعيد صناعة التاريخ ذاته؛ لأنها ستكون حادثة تاريخية مأساوية أن يثور الشعب للانتقال من نسق استعبادي إلى آخر، وبذلك لن نستطيع العيش على الاستقرار المطلوب من أجل النهضة والتنمية، إذ سنكون مشغولين من جديد بالتفكير في أساليب الثورة على ثورتنا المغدور بها.

لذلك يجب أن تشكل الحكومة الانتقالية بتوافق سياسي بين كل الأطياف دون أي إقصاء واستبعاد إلا لمن تلوثت يداهُ بجرائم النظام السابق، ويجب أيضًا أن تدرك النخب السودانية أن عقلية الشعب صارت تواكب التطور، وأننا بعد ثورة دامت أربعة أشهر صرنا في عالم مفتوح، على الأقل إعلاميًّا وسياسيًّا، والكل يتحدث وينتقد ويمتعض، ويطرح رؤياه ويبث شكواه على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من مكونات العالم الرقمي؛ أي إنه «لا صمتَ بعد اليوم».

أضف إلى ذلك أن الثورة حطمت الكثير من الأفكارِ والمعتقدات والصور السالبة التي كانت تُنسب لجيلنا الحالي.

وأخيرًا، أيها الشعب الأبي، لقد وصلنا إلى هذه المرحلة الحرجة بعد أن تجرّعنا ألوانًا مختلفة من البطش والتنكيل؛ فأرجوكم «توقفوا عن صناعة الأصنام»
ولنتفكر جيدًا لنحافظ على مكتسبات ثورتنا المجيدة.

أم هل أصبحتم الآن شعبًا ينتظر المُنقذ الذي يأتي من السماء، ويتجسد في الأرض على هيئة ديكتاتور آخر يكفيهم التفكير حتى في أصغر الأمور؟!
وهل ما نحن فيه الآن بسبب الفكر الديماغوجي القائم على العنتريات الفارغة، والقدرات الخارقة التي تلائم العقول التي عششت فيها الأوهام على مدارِ 30 عامًا؟! أرجو أن تتذكروا دائمًا، أنتم تسلمتم الرّاية من «شُهداء».

لوحة الشهداء – رسوم: وضاح عبده

«عيني عليه ساعةِ القَضَا، من غير رِفَاقَة تودعهُ، يطلع أنينه للفَضَا، يِزعَق ولا مين يسمعه!
يمكن صرخ من الألم، مِن لسعِة النّار في الحشا،
يمكن ضِحك أو ابتسم.. أو ارتعش أو انتشى!
يمكن لفظ آخر نفس كِلمة وداع.. لأجل الجِيَاع
يمكن وِصية للي حاضنين القضية بالصّراع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد