نموت نموت ويحيا الوطن؟ هل هي مجرد شعارات جوفاء؟ كيف يحيا الوطن إن متنا جميعًا؟ أولسنا نحن الوطن؟! الوطن هو قيمة معنوية مشمولة في هوية وتاريخ الشعوب وفي تعريفها لذواتها، هو إحساس مجموعة بشرية بالانتماء إلى المكان، هو مرادف وجداني لحالة روحية من الارتباط والانتماء لمكان والاعتزاز به والحنين إلى ذكرياتٍ فيه، وهو مرادف مادي لممتلكات عامة تخدم كل الناس داخل البلد، فالذي يتعمد اتلاف كرسي في محطة انتظار القطار يمكن أن يُسمى مخربًا يضر بمصلحة الوطن!

الوطن هو الناس، ومصلحة الوطن هي مصالح الناس، فإن جاع الناس جاع الوطن، وإن عطشوا عطش الوطن، وإن تعروا تعرى الوطن، وإن مات حماة الوطن فإنه لمقام رفيع ووسام شرف ثمين بشرط أن نبحث ونحقق بصدق للوقوف على أسباب موت هؤلاء الرجال، هل هناك تقصير ما؟ خيانة؟  ضعف تسليح؟ ضعف تدريب؟ ضعف تخطيط؟ أسباب أخرى تُعلَن وبوضوح كي لا تتكرر المأساة.

لا بد من معرفة السبب كي لا ينزف الوطن المزيد من دماء رجاله، كي لا يفقد الناس أعزاءهم وأحبابهم ويتجرعون مرارة الألم ووحشة الفقد الأبدي.

لا بد من التحقيق والمكاشفة والشفافية ومحاسبة المقصر أو المسئول كي لا يتكرر الخطأ الفادح الذي تسفك به دماء حماة الوطن، نعم نتأثر ونتعاطف وننفعل ونتألم لكن لن نتخلى عن الحق العام في المعرفة، والحد المحترم من الشفافية الذي يضمن الحصول على المعلومات السليمة من مصادرها الرسمية النزيهة، وألا يكون الغموض أو التكتم هو عنوان المشهد العام بعد كل حادث أليم مثل عملية كرم القواديس وسائر عمليات سيناء، أو الحوادث في شبكات النقل كحادث قطار العوايد وغيرهما الكثير، على سبيل المثال لا الحصر، وكل حادث مفجع يستيقظ عليه أهل هذا الوطن أو يبيتون.

ولعل الفن بكافة أشكاله مرآة تعكس الواقع، وتعلق عليه، وتطرح مشكلاته، ربما بلا تقديم أو اقتراح لحلول لأن هذا ليس دوره الأساسي، يحضرني مشهد من الفيلم المصري «عسل أسود» عندما وقف الفنان أحمد حلمي «مصري سيد العربي» مدافعًا عن حق السائق البسيط «راضي» الذي قام بدوره الفنان لطفي لبيب أمام شرطي المرور، معلقًا على مخالفة مرورية قام بها أحد «الناس المهمين» عندما صدم سيارته من الخلف، فقام الشرطي بسحب رخص القيادة الخاصة بالسائق البسيط، واعتذر للرجل المهم بالسيارة الأخرى!

الشاهد أن هذا المشهد ينتهى بأن يقول الشرطي لـ«مصري»: هتجيبله حقه من مين… أنت مين؟ يرد مصري: أنا مصري، يعقب الشرطي؛ ايه يعني مصري وضابط مصري ووكيل نيابة؟ يرد حلمي: هو لازم أكون مصري و«حاجة» علشان آخد حقي، يقاطعهم السائق راضي: يا باشا هو مش الشرطة في خدمة الشعب، يرد الشرطي: ده كان زمان يا حبيبي دلوقتي الشرطة والشعب في خدمة الوطن. يرد مصري: ومين اللي كان في العربية ده… الوطن؟! يطلب الشرطي هوية «مصري» فيخرج له جواز السفر الأمريكي، ويؤكد حق السائق الذي يتركه ويهرب في تنازل مهين عن حقه مقابل أمانه.

مشهد أقل من دقيقة ونصف يصف رؤية أحد المواطنين الكادحين للوطن المزعوم. كما يحضرني مشهد أقصر من المسرحية المصرية «المتزوجون» عندما قال الفنان جورج سيدهم مخاطبًا الفنان نجاح الموجي: ألا قولي، ياد يا مزيكا هو أنت بتفهم في السياسة؟ يضع الموجي قدمًا على أخرى ويتكئ قائلًا: أفهم في السياسة! «أنا الشعب» وأظن المجاز هنا في قصده أنه هو الشعب الذي من أجله جعلت السياسة التي هي فن إدارة شئون الوطن والمواطن.

يا سادة الوطن لا يمكن اختزاله في بعض الأشخاص، وحب الوطن ليس حكرًا على أحد، ولعل فرحة ملايين البسطاء في مصر بحدث ترفيهي سياحي مثل الصعود والتواجد في المحفل العالمي الكبير «كأس العالم» هي أصدق عندي من فرحة من هم غارقون في نعيم هذا الوطن؛ مما لا يدع مجالًا للمزايدة على البسطاء أصحاب الأيادي الخشنة الكادحة.

أستطيع الآن أن أقول إن المستقبل مرهون باستعادة الثقة في الإرادة السياسية المخلصة. ماذا لو صدق الناس حاكمًا مخلصًا؟ هل تنهض بلادهم حقًّا؟ متى نشعر أن هذه البلاد بلادنا؟

للحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد