من أسماء الرب جلَّ جلاله، وتقدست أسماؤه: الرحمن والرحيم، ومن صفاته العلى جل في علاه: الرحمة، وهي رحمة عامة شاملة، شملت جميع خلقه. واسم الرحمن: دال على صفة ذاتية، واسم الرحيم: دال على صفة فعلية.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الرحمنَ دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دالٌ على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. [الأحزاب: 43]، إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. [التوبة: 117].

ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته، وقد جاء اسم الرحمن في القرآن في سبعة وخمسين موضعًا، وجاء اسم الرحيم في 114 موضعًا، وهذا يؤكد اتصاف ربنا جلَّ جلاله بالرحمة، وأنه رحيم بخلقه؛ إذ كُرِّر ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى. و كل مسلم يعلم بأنّ الله رحمن رحيم، وأنّه أرحم الراحمين، رغم ما نراه من أمراض وقتل وذبح وألم وقهر وفقر؟

فإن كان الإنسان المتألم سيعوّضه الله يوم القيامة عن عذاباته وآلامه… إلخ، فما بال الحيوان يُذبح ويقتل ويرى ألوانًا من العذاب!فكيف يكون الله قد رحمه؟ أين هذه الرحمة المزعومة؟ عندما تجتمع الأسود على فريستها وتنهش لحمها، حين ترى طفل جميل قد اصابه الشلل وعلى على كرسيه المتحرك، حين تلج أفعى وتبثّ سمّها في أفراخ من العصافير التي لا حول لها ولا قوّة، والأم واقفة أمام هذا العشّ ترى الأفعى وهي تبتلع أولادها الواحد تلو الآخر، تقف عاجزة عن انقاذهم من فم الأفعى، تقف خائفة، ولا تملك من أمرها شيئًا؟ فأين رحمة الله التي ندّعيها؟

هل ضلّت رحمة الله حين أصيب طفل بمرض في الأعصاب منعه حتّى من تحريك عينيه؟ وظلّ راقدا في فراشه لـ34 عامًا؟! حتّى أكل العفن ظهره، ووصل إلى عظمه؟ أين هي هذه الرحمة المزعومة؟

دائمًا نردد عشرات المرّات في اليوم، الله رحمن رحيم، الله رحمن رحيم؟ فأين هي هذه الرحمة؟ وكم من داعٍ دعا الله فأجاب الله دعاءه؟ هل سمعتم عن غريق دعا الله فأنقذه الله من الغرق؟! في الحقيقة، هي أسئلة مشروعة، وينبغي علينا نحن المسلمين أن نملك جوابًا عنها، فأين هي رحمة الله؟

هناك من أشعل النار ببعض الفئران الصغيرة التي لا تملك لنفسها حولًا ولا قوّة، وكانت تموج فوق بعضها بعضًا من شدّة الألم؟ وسألت نفسي حينها: أين الله ممّا يجري في عالمه من قهر وظلم؟

قد سمعنا عن القطط التي ماتت بالسم مستلقاة على ظهرها، على الأرصفة والطرقات،. قد ترى الصقر، قد غرز أظافره في ظهر الغزال وأخذ ينهش بلحمه، والغزال يتألم، واقفًا ينتظر أن يتم عليه الصقر، او تجتمع الصقور على الوليمة فيسقط أرضًا، وقد ترى مجموعة من الضباع تأكل جاموس وهو حي، يبدأون بنصفه الأسفل خوفًا من قرنيه، فينظر الجاموس إلى نصفه الأسفل وقد صار في أفواه الضباع، وينتظرها للوصول إلى قلبه لينقطع عذابه، والله وحده يعلم ما يشعر به من ألم وعذاب وخوف، ثمّ تسأل أين رحمة الله؟

ألم ترى أن هناك ملايين الفئران الأخرى تعيش في رحمة الله؟ وترى الملايين من القطط تحت رحمة الله، وفي مقابل ذلك الرجل المصاب بالشلل منذ 30 سنة، ملايين من الناس يعيشون في رحمة الله؟ وفي مقابل تلك الفراخ التي تغذّت عليها الأفعى ملايين الفراخ التي تعيش في دفء أمّها برحمة الله؟

فما من إنسان أعمى إلاّ وهناك ملايين من البشر يبصرون برحمة الله؟ وما من غريق إلاّ وهناك ملايين من البشر يعيشون مستقرّين على اليابسة، فلا تأخذهم البحار برحمة الله؟ وما من لاجئ يعيش في مخيم، ينخر البرد جسمه إلا وهناك الملايين يعيشون في بيوتهم بجانب المدفأة.

رحمة الله موجودة في ملايين الجواميس الأخرى التي تعيش بسلام، تأكل أطنانًا من الأعشاب، وتشرب أطنانًا من المياه، وتستدفئ بشمس ربّها، حتّى يصل وزنها لنصف طن أو أكثر، فلماذا لم تقل: هذه رحمة الله قد تجلّت؟

نعم، رحمة الله ظاهرة، متجليّة في شؤون الكون كلّها، ولا يأخذ عذاب جاموس واحد ويرمي الله بالظلم، وينسى ملايين الجواميس الأخرى التي تعيش في رحمة الله إلاّ ظالم كافر برحمة ربّه!

أنا لا أخدعكم، انظروا لرحمة الله كيف تتجلّى في العالم، وهي ضرورة من الضرورات التي لا يمكن نفيها أبدًا، قد يموت طفل بين يدي أمّه، لكن ما بال ملايين الأطفال الذين يرضعون بين يدي أمّهاتهم بفضل رحمة الله؟

أليس من الظلم أن نقول: الله ليس رحمانًا، وليس رحيمًا لأجل وفاة طفل واحد، ولا نقول: الله رحمن ورحيم لأجل ملايين الأطفال الذين ينامون بسلام وراحة على صدور أمّهاتهم؟! فلا يوجد شيء أرحم من الله أبدًا، ويل هذا الذي يكفر بربّه وينفي الرحمة عنه لأجل موت طفل واحد، وينسى ملايين الأطفال الذين يعيشون برحمة الرحمن الرحيم.

نعصي الله في الليل ويرزقنا في النهار، ونعصيه في النهار فيرزقنا في الليل، ولا يتعجّل بعذابنا، عسى أن نتوب إليه، فيغفر لنا جميع ما سبق من ذنوب، بمجرّد توبة لا تزيد عن لحظة، فهل هناك رحمة ك رحمة الله؟ وهل هناك كرم مثل الله في كرمه؟ انظروا للبحار كيف ملأها الله بالأسماك والحيتان؟! وانظروا لليابسة كيف ملأها الله بالثمار والحيوان! كرم ما بعده كرم، ورحمة ما بعدها رحمة، فليس مثل الله في رحمته ولا ذاته ولا كرمه أيّ شيء.

كاد وليم جيمس في كتابه قصور الفلسفة يفقد عقله، من شدة إسراف الطبيعة بخيراتها! يقول: يمكن لألف مليار إنسان أن يعيشوا بأمان على اليابسة، ألف مليار إنسان! ولم يبلغ عدد الإنسان المليار إلا من وقت قريب، الأرض تكفي لسدّ حاجة ألف مليار إنسان مجتمعين، هذا إسراف يتجاوز حدّ العقل، ثمّ يقول: سمكة سلمون واحدة تضع أكثر من مائة ألف بيضة؟! ما هذا الإسراف غير المبرّر أبدًا، الطبيعة شديدة الإسراف! وهذا العالم المشهور متردّد بين الكفر والإيمان، يقول هذا عن الله، فما بالنا نحن المسلمين؟ نجحد نعم الله علينا؟!

فالحكمة وضع الشيء في موضعه الصحيح، فلا توضع الرحمة إلا في موضعها. والرحمة لا يُسأل عنها في مقام إنفاذ عقوبة مستحقة على قوم يلزمنا أن نشهد بأن الله ما أوجب لهم تلك العقوبة إلا وقد سبق في علمه أنهم لا يستحقون الخروج منها ولا يستحقون الرحمة.

ويتطلع إلى رحمته في ذلك اليوم جميع الخلق لما يشاهدونه، فيختص المؤمنون به وبرسله بالرحمة، فهو الذي رحمته وسعت كل شيء، وغلبت رحمته غضبه، وعم كرمه كل حي، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها. فقل ما شئت عن رحمة الله، فإنها فوق ما تقول، فهو الرحمن الرحيم, وتصور فوق ما شئت، فإنها فوق ذلك…

فقولوا: اللهمّ اغفر وارحم، وأنت خير الراحمين. ورحمة ربّك خير ممّا يجمعون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد