مما لا شك فيه أن النظام الاقتصادي العالمي يعاني من مشاكل عديدة لا يمكن حصرها في سبب واحد و لعل من أبرز تجليات مشاكل النظام القائم هي الأزمات التي تعصف ببعض الاقتصادات من حين لآخر، ولعل آخرها هي الأزمة اللبنانية وقبلها بما يزيد عن 10 سنوات شهدنا الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى إفراز المزيد من المشاكل الاقتصادية وأدت بشكل غير مباشر إلى اختراع أهم التقنيات المالية في العصر الحديث، أو ما يعرف باسم البيتكوين.

اختراع البيتكوين لم يكن فقط إثباتًا عمليًّا لحل مشاكل في علم التشفير و الرياضيات وعلوم الحاسب. الحقيقة هي أن ساتوشي ناكاموتو توصل لحل مشاكل تقنية خلال رحلة بحثه عن حل لمشكلة اقتصادية يعاني منها العالم منذ أزيد من مائة عام.

مشكلة العالم الاقتصادية هي النظام المالي القائم الذي صمم ليخدم مصالح صانعيه، حيث إن السياسات المالية للدول تعطي الأولوية للشركات عوض المواطن الذي يمول المؤسسات التي تضع هذه السياسات من جيبه عن طريق الضرائب.

اختراع ساتوشي ناكاموتو أعطى القدرة للأفراد لأول مرة منذ وقت طويل على الخروج من تحت عباءة نظام مالي لا أفق له بشكله الحالي. لأول مرة أصبح هناك بديل يمكن الأفراد من حفظ رأس المال بدون القلق من شبح التضخم الذي يخيم على دول العالم، خصوصًا بعد أزمة كورونا ولجوء الحكومات في عدد من الدول لطباعة العملة المحلية وضخها في الاقتصاد بشكل غير مسبوق، في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ضخ الفيدرالي ما يزيد على 20% من كمية الدولارات المتداولة في الاقتصاد خلال السنة الماضية فقط.

بالعودة إلى البيتكوين لم يحصل أي تغيير على معدل تعدين البيتكوين أو معدل زيادة وحدات البيتكوين المتداولة في السوق، منذ أول يوم لإطلاق شبكة البيتكوين للوجود سنة 2009 كان يعرف المشاركون في العملية ما هي كمية البيتكوين التي سيتم ضخها في السوق كل سنة من خلال عملية تخضع لقوانين رياضية واضحة لا يمكن تغييرها.

اليوم هناك دولة صغيرة في القارة الأمريكية مثل السلفادور التي كانت قد بدأت تستخدم الدولار الأمريكي عملة غير رسمية في المعاملات الاقتصادية منذ مطلع الألفية بعد انهيار عملتها المحلية نتيجة التضخم والسياسات النقدية الخاطئة، هذه الدولة كانت تضع كل اقتصادها تحت رحمة الدولار الأمريكي لمدة 20 سنة و لكن صانعي القرار انتبهوا إلى أن قوة الدولار الأمريكي لن تدوم لسببين، الأول هو صعود الصين بوصفها قوة اقتصادية عالمية، وإطلاق الصين نسخة رقمية من اليوان التي تستعمل تقنية شبيهة نوعًا ما بالتقنية التي تعمل بها عملة البيتكوين. السبب الثاني الذي يجعل كل حاملي الدولار الأمريكي قلقين هو طباعة المركزي الأمريكي عملة الدولار بلا هوادة خلال أزمة كورونا لدعم الشركات والأسر الأمريكية.

خطوة السلفادور ينظر لها العالم غير العارف بالبيتكوين على أنها قرار غبي في أحسن وصف، فهم ينظرون إلى سعر البيتكوين مقابل العملات الوطنية مثل الدولار والأورو ويفترضون أن تقلب سعر البيتكوين مخاطرة كبيرة لكي تتحملها دولة بأكملها، وجهة النظر هذه صحيحة إذا كنا نقيس البيتكوين بالدولار وهذا ما نفعله حقيقة اليوم، لأن رحلة البيتكوين ما زالت في بدايتها فقط، في المستقبل القريب عندما يصل تبني البيتكوين لمرحلة بحيث يصبح بإمكان الأفراد استخدام الساتوشي في تسعير العمل عندها لن يهم كم سعر البيتكوين مقابل الدولار أو أي عملة أخرى لأن مليون ساتوشي ستكون هي مليون ساتوشي.

حتى اليوم تم تعدين أكثر من 18.6 ملايين قطعة بيتكوين ونعرف من خلال برمجة العملة كم من عملة سيتم تعدينها كل يوم وكل سنة خلال المائة سنة القادمة، لا يمكننا قول الشيء نفسه على أي عملة أخرى تخضع لسلطة الدول. رغم تقلب سعرها مقابل العملات الوطنية فإن البيتكوين تقدم أملًا للحالمين بالتحرر من النظام المالي التقليدي والراغبين بالنأي بأموالهم عن أمواج الأزمات الاقتصادية. من يريد أن يمتلك أمواله يضعها في البيتكوين لأن البيتكوين ملك للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد