اعلم أن أدولف هتلر لم يكن إنسانًا عاديًّا، ولا رجل سياسة طويت صفحة تاريخه أو يسهل ذلك على أحد، ولكن كان أحد عظماء التاريخ الذين غيروا شكل العالم، بل لو استمر لكان على الشكل الآخر، سواء اختلفنا معه أو اتفقنا. هتلر زعيم سياسي استطاع أن يخلف تاريخًا عظيمًا، رغم الجدل الحاصل حوله، إنه رجل عُرف عند العامة والخاصة بالرجل الديكتاتوري، بيد أن أغلبهم لا ينكر فضله في بناء ألمانيا وتغيير مجرى الأحداث في أوروبا والعالم أجمع. لم يكن هتلر معروفًا بالفكر ولا العلم، لكن الناظر في كتابه «كفاحي» لا يستبعد تصنيف الرجل المثير للجدل ضمن أكبر المنظرين للفكر السياسي، وهذا لا يمنعنا من إبداء المخالفة أو الاتفاق مع بعض ما دعا إليه.

سبق لأحد المهتمين بعلم الإدارة والقيادة، وهو الدكتور طارق السويدان، أن عرف القيادة بالقدرة على تحريك الناس نحو الهدف. وعند إسقاط هذا التعريف على هتلر نجده استطاع تحريك دولة بأكملها من أجل أفكاره ومشروعه السياسي، بل إن فكره أصبح مرجعًا أساسيًّا للنازيين، ونهجه مسلكًا لبعض دعاة القوميات. بهذه المناسبة لا بد من التنبيه إلى دور الفكر القومي في صناعة تكتل قوي يستطيع بناء ما فشل فيه آخرون، لكن يبقى فكرًا منتجًا بشكل أو بآخر، صورًا من العنف يصعب التحكم فيها.

ومما تركه هتلر من أفكار سياسية نجد وجهة نظر تخص البرلمان والنظام البرلماني. عند تصفح كتاب «كفاحي» ومحاولة استخراج أهم أفكاره ينتهي بنا المطاف إلى عقد مقارنة ما تحدث عنه في بداية القرن العشرين، وحالنا اليوم في المغرب وغيره.

لم يُخف هتلر إعجابه بالنظام البرلماني عندما كان يتابع مناقشات مجلس العموم في الصحف لدولة بريطانيا، لكن سرعان ما تغير موقفه عند حضور جلسات البرلمان النمساوي، لتباين في عقلية الإنجليزيين وعقلية النمساويين. ذلك أن حضوره الجلسات مكنه من التعرف إلى المستوى الفكري لممثلي الشعب والمستوى التنظيمي؛ إذ شهد مناقشات حادة وصلت لدرجة تبادل الضرب وتعالي الصراخ والضجيج في المجلس. كما شهد في مرات أخرى جلسات، نصف أعضائها نائم والآخر متثائب، بينما يسمع لبعض الأعضاء. كل هذا جعل موقفه يتغير تجاه النظام البرلماني بشكل عام ويبحث في طبيعة المؤسسة وشكلها. ليخلص في النهاية إلى دراسة الأمر لعله يجد له حلًّا، ذلك أن القرارات التي يتخذها البرلمان يصعب تحديد المسؤول عنها لتحميله المسؤولية بعد تبين تعارضها مع المصلحة العامة.

انطلق هتلر من مسألة تحمل المسؤولية في القرارات التي تترتب عليها نتائج سيئة، وتساءل عن مدى عد رئيس الحكومة مسؤولًا عن أعمال فرضتها عدة أشخاص. بل استغرب من المهمة الموكلة للرئيس، المتمثلة في فن إقناع رؤوس خاوية بفائدة مشروعه، بدلًا من القيام بدراسة وافية لذلك، متسائلًا عن إخفاقه في استمالة الأكثرية – الذي سماه الورم الخبيث – وعده دليلًا على انعدام أهليته للحكم، وهل الواجب تأجيل الأمر رغم أولويته، أم الاختيار بين الاعتزال والبقاء؟ ما يطرح إشكالية الوقوع في أساليب محترفي السياسة حسب نظرة هتلر، الشيء الذي يفرض العمل على التوفيق بين ما يراه الزعيم الحقيقي والوضع الشاذ.

إن هذه الأمور، حتى إن تجاوزها الزمن في عصرنا، يبقى طرح هذه التساؤلات يحمل بعض الإشكالات التي يصعب الاقتناع بها رغم التسليم الحاصل، إما مسايرة لنظام فرض نفسه، وإما خوفًا من اتهام المخالف بالديكتاتورية. إن مسايرة مصالح الأغلبية وتنفيذ متطلباتهم أمر مفروغ منه للحصول على مساندتهم، وهذا ما يعده هتلر ألعوبة يجب الترفع عنها؛ لأن هذا النظام أصبح ملجأ محترفي السياسة وأصحاب الرؤوس الجوفاء، الذي يُغرقون الحياة السياسية في حوادث صغيرة تافهة، جاعلين السياسة مساومات ومتاجرات بينهم وبين الحاكم.

إن ضعف مؤهلات تجار السياسة العقلية والعلمية مع كثرة الثرثرة الفارغة، تجعل منهم مؤيدين لنظام لا يتطلب التحلي بالمسؤولية والتنافس على الرقي إلى مستوى زعماء كبار، مثل بريكليس (زعيم سياسي يوناني أثيني)، بل على العكس من ذلك نجدهم يكرهون أشد الكره الرجل اللامع، حيث خلو المجلس النيابي من كفاءات عالية تخول الرجل العادي زعامته ليتوافق مع المستوى المتدني للمجلس، ما يخلق الأمل لأي نائب الوصول إلى ذلك المنصب المهم، حيث ترى كل فرد ضئيل الشأن يعد الساعات بينه وبين الهدف مع انتظار دوره بفارغ الصبر.

وأما أهم خصال يتميز بها نظام الأغلبية، حسب هتلر، هي الجبن والبُلْه؛ وهذا يظهر جليًّا كما يقول هتلر في تملص الزعيم من كل مسؤولية بموافقة الأكثرية على القرارات، كما لا يمكن إصدار قرار بطولي من مائة دماغ أجوف. ما يجعل أوخم النتائج تنتظر الأمة، لأن عقد الأمل على هذا النمط بوجود وصوليين وانتهازيين يتوجسون خيفة من كل إصلاح، وينتظرون دورهم وفق سوق المساومات عند توزيع الحقائب الوزارية حتى يخرسوا ولا يثيروا الشغب والمناورات ووضع العصي في عجلات الآلة الحاكمة. كمبدأ عام، إن طريقة اشتغال الخمسمائة الذين يؤلفون البرلمان لا تخرج عن التنافر والتضارب، والانسياق وراء العواطف، بل لا تخرج عن مصالحهم ومصالح القوى التي تحركهم في كل ما يفعلون. وبهذا النظام يُحسم في القضايا الحيوية، وهم غير مدركين لخطورة قراراتهم، لكون معظمهم لا يحملون شهادات جامعية، بل أغلبهم من الجهلة، وهم من يرجح الكفة مضيعين آراء الصفوة بالثرثرة والصراخ. وتساءل هتلر عن جدوى انتخاب خمسمائة نائب ما دام بضعة عشر نائبين فقط متحلين بالمعرفة وبعد النظر يتكلفون بتوجيه بقية زملائهم، وهذا ما يرجح حسب هتلر بقاء الممسك بالخيط من وراء الستار بعيدًا عن كل مسؤولية.

أما طريقة الوصول إلى قبة البرلمان، فإن هتلر اختصرها في التأثير في الرأي العام، وتحدث عن صانعي الآراء كما سماهم، والذين يتكلفون بكل سهولة من توجيه السواد الأعظم دون أن يشعر، كما يجعلون من الأمر التافه قضية خطيرة وإسدال الستار عن القضايا الحيوية، مما يمكن لأسماء لا وزن لهم، ويقدمون على أنهم الأمل مع دفن ماضيهم مهما كان ملوثًا، بينما لا يتورعون في محاربة الرجل الشريف ورميه بكل نقيصة، جاعلين من الافتراء أسلوبًا عند انعدام الفضائح لديه. أما اكتشاف رجل عظيم بواسطة الانتخابات أصعب من مرور الجمل في ثقب الإبرة، خصوصًا أن الجمهور يبتعد عن كل رجل متفوق له قماشة العباقرة، كما يقول هتلر.

ختامًا، إن استعراض وجهة هتلر فيما يخص النظام البرلماني ليس من الترف الفكري، أو من باب إثارة الرأي العام بشيء يعده كثير من الناس أمرًا غير سوي، لكن كان فرصة للتعرف إلى نمط من التفكير وما صاحبه من ظروف، حتى إن اعتقدنا اعوجاجه. كما أنها فرصة للتعرف إلى النظام البرلماني من وجهة نظر مخالفة لما هو سائد؛ لعلها تكون سببًا لإعادة النظر في كثير من الإجراءات والطرق التي تشبه كثيرًا ما تحدث عنه هتلر قبل أكثر من قرن. ومن البديهي جدًّا، هناك من يرى الحديث عن هتلر مقرونًا بالديكتاتورية، متناسين أن تغيير دولة وبناء قوة استطاعت منافسة أنظمة كبيرة لا يكون إلا بوجود عقل خارق وتخطيط مسبق. ما يعني ضرورة الاستفادة من التجربة مع استحضار كل الملاحظات المقدمة من زعيم ألمانيا في القرن الماضي، رغم مخالفتها لما هو سائد، حيث يظهر لكل واحد منا بعض التشابه في الأوصاف المتعلقة بالنظام البرلماني النمساوي والأنظمة البرلمانية القائمة في مجموعة من الدول العربية بما فيهم المغرب. والجدل الحاصل بخصوص القانون، الإطار الخاص بالمنظومة التعليمية، والمادة التاسعة في مشروع قانون المالية لسنة 2020 كانا وراء العودة لما قاله هتلر عن البرلمان لوقوع بعض التشابه، لاسيما في انعدام الجرأة الكافية لقول «لا» بكل شجاعة من طرف ممثلي الأمة.

اللهم ارزقنا الاستفادة من أخطائنا وأخطاء غيرنا، اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد