إنَّ التعدُّد مِن الموضوعات التي سال فيها حبر كثير، بَيْدَ أنَّ الكثير مِن النساء اللاتي قرأن عنه بقينَ على عنادهنَّ في رفضه، وما عاد للرجال مِن حيلة في إقناع أزواجهن به، حتى باتَ الواحد منهم يرضى بالحرام خيفةً من ردَّات فعل زوجته، فلا هو عاشَ علاقة في الحلال فيسعَد، ولا زوجته رضيتْ بالتعدد فأُجرتْ.

ولعلَّ مِن بين الأسباب التي تجعل الرجل يخاف مِن البوح لزوجته برغبته في التعدد هو ردَّة فعلها اللَّامنطقية، فمبالغة النساء في رفضهن للتعدد شكَّلتْ خوفًا في أذهان الرجال، حتى صار الرجل يمتنع عنه رغم حاجته له، أو يفعله سرًّا كأنه يفعل حرامًا.

ينبغي للمرأة – عزباءَ كانت أم زوجة- أنْ تُدرك أنَّ حاجة الرجل إلى التعدد ليست وليدةً منه، وإنما هي جِبِلَّة جُبِلَ عليها جلُّ الرجال إنْ لم يكن كلُّهم، ولا يُلام المرء على ما جُبل عليه، وقد لوحظَ في شريحة عريضة مِن النساء، أنه صرنَ يُجَرِّمْنَ الرجل الذي حُبِّبَ إليه التعدُّد، وينسَيْنَ أنَّ هذا الأمر فطرة مركوز عليها، وإنْ كانت هناكَ فكرة ينبغي أنْ تُجَرَّم فهي فكرة عجبهنَّ مِن ميول الرجال للتعدد وليس الاعتراف بهذه الميول!

لذلك يجدر بها ههنا أنْ تفهم أنَّ ميوله إلى التعدد هي ميول صحيَّة مُنتظَرة منه وليست فكرة سرطانيَّة ليُنظَر له مِن خلالها على أنه أتى بالكبائر، بل إنَّ رفض الرجل للتعدُّد هو ما يَدعو للريبة في صحَّة رجولته.

إنَّ المرأة اليوم مطالبة بتفهُّم انحياز الرجل للتزاوج بمثنى وثلاث ورباع، تمامًا كفهمه لفطرتها حينما تغار عليه مِن مشاركة امرأة له، رغم أنَّ هذه الشَّراكة مُحَلَّلَة مِن عند الله ولا أصبع لهُ في حِلِّيَتِها.

كما يحسن بها ألَّا تُضَخِّم في ذهنها رغبة الزوج في التعدُّد حتى تصير عندها جائحة خطيرة، بغضِّ النظر عن بُغضها لهذا الموضوع، وعدم تقبُّلها له تحت أيِّ شكل مِن الأشكال، وفي الوقت نفسه حقيق بها أنْ تضع النقاط على الحروف قبل زواجها، أو عليها أنْ تُوَطِّن نفسها على الصبر بعد قَبوله، أو لا حلَّ لها إلَّا أنْ تُطالب زوجها بالـخُلع. فالحلول في الإسلام موجودة دائمًا، لكن عليها ههنا أنْ تختار مِن الحلول ما يكون أنفعُ لها ولأسرتها، وليست تلك الحلول التي تُرضي بها كبرياءَها على حساب شرفها وشرفِ أسرتها!

علمًا أنَّ المرأة اليوم تعيش بعقل مُبرمج إلَّا ما ندر، وهذا العقل الدخيل هو الذي يُلقي عليها هذه المواد السَّامَّة كإيهامها بقوله: «طلِّقيه ولا ترضيْ بنصف رجل»، «العزوبة خير مِن رجل تُقاسمكِ فيه امرأة أخرى»، «زوجكِ ملككِ فلا تَرضيْ لامرأة أخرى أن ترى منه ما ترينه أنتِ». فكلُّ هذه الخرجات ليست فطرة في المرأة وإنما هي طفرة جيئتْ نتيجة محاربة أعداء الإسلام لشرائعه!

ولا أحد يُمكنه أنْ يُنكر أنَّ هناكَ حربًا شعواء على التعدُّد، حتى لقد أُسيءَ إليه مِن جهات عدَّة، فمن هذه الإساءَات تصويره أنَّه حالة طارئة يلجأ إليها الرجل إذا كان هناك سبب يستدعيه كتقصير الزوجة، أو عدم كفاية زوجها لها. مُحاولين بذلك حجب شمس الحقيقة بغربال شُبهاتهم، لتلعقَ المرأة المسكينة هذه الشبهات كطُعم صُنع لسمكة مِن أجل صيدها لا إطعامها، فتغفل بذلك عن أنَّ التعدد إنَّما شرَّعه الله لحكمة أبعد مِن هذه، وإنْ كانت هذه الأسباب جزءًا لا يتجزَّأ منه، فقد يُعدِّد الرجل تطبيقًا للسُنَّة، أو رغبة في تكثير النسل، أو تحصينًا لنفسه مِن الوقوع في الحرام سواء مع المرأة المراد الزواج بها أو مع غيرها، فالنساء في الفتنة على دِين واحد.

كما على المرأة أن تنظر إلى الرجل من الزاوية التي طُبع عليها، وليس من زاويتها الأنثوية، لأن اختلاف الزاوية يقتضي اختلاف النظرة، فلما خلق الله المرأة لزوج واحد لا يستوي عقلًا ولا شرعًا أن تسقط أُحادية هذه الخِلقة عليه، فتعتقد أن قدرتها على الاكتفاء برجل واحد تجيز لها أن تطالب ذلك من زوجها، فهذا نظرة دونية وزاوية ضيقة ومطلب فيه إجحاف وتَعَدٍّ، وهذه واحدة مِن الأخطاء التي ترتكبها المرأة في حق الرجل المِزْوَاج.

وتُخطئ المرأة إذْ تقف ضدَّ حاجة الرجل للتعدِّد تحت أيِّ ظرفٍ مِن الظروف، أو حينما تختزل الزواج عليها لأسباب تتعلَّق بشخصها، فالربط بين التعدد والنقص في الزوجة على إطلاقه ربطٌ خاطئ، ينبغي أنْ يزول مِن ذهن المرأة قبل زواجها، بل ينبغي أنْ تُربَّى على ذلك منذ صغرها، حتى تتولَّد لديها قابلية المرونة مع القدر إذا قُدِّر عليها الزواج برجل مُعدِّد، ففي النهاية أنْ يكون للمرأة ضرَّة أهون عليها مِن ألَّا يكون لها زوج، أو تنحرف إلى طرق الحرام كردَّة فعل لهذا التعدد، ومثل هذه الأمور كثيرًا ما نسمعها ونراها في واقعنا، حتى صارت المرأة بيننا ترضى أنْ تعيش علاقة محرَّمة عوض أنْ ترضى بالتعدُّد، وكأنَّ التعدُّد أكثر جحيمية مِن الخيانة!

ومِن الجرائم النسوية التي ترتكبها المرأة في حقِّ زوجها أنَّها تصبر على خيانته لها في الحرام، ولا تصبر أنْ يُعدِّد عليها في الحلال، فلا هيَ فعلتْ ما يُؤجران عليه، ولا هي كفته فلم تُحوِّجه إلى التعدد، بقدر ما زادتْ الطينة بلة لـمَّا اضطرَّته إلى اللجوء للحرام خيفة أنْ تُخالعه فتُشتِّت أسرته، أو تُدخله بعد الطلاق في متاهات لا وُسع له على تحمُّلها!

فعلى المرأة أنْ تخاف الله في زوجها، وأنْ تخطو خطوة جادَّة لفهمه، ومحاولة فهم الحكمة من تشريع التعدد له، وأنْ تُدرِّب نفسها على الرضا بقَبول شريعة شرَّعها الله، ولا حول ولا قوة للرجل فيها، كما يهمُّها أنْ تفهم أنَّ تقديسها لهذه الشريعة هو تقديس للمشرِّع، ومخالفتها لها والتنقيص منها أو إنكارها هو تعدٍّ على حدود الله، فلا تنجرَّ خلف استفزازات الرجال لموضوع التعدُّد فتزداد تعنُّتًا ورفضًا له كون فلان يقول به، أو أنَّ الرجال لا يُطبِّقون مِن الشريعة إلَّا التعدُّد، فمثل هذه المنحنيات لا تُفيد المرأة في دِينها بقدر ما تضرُّها؛ لأنَّ إيمانها بالتعدُّد والرضا به إنما هو إيمان بالله وتسليم له، ولا علاقة له بالرضوخ إلى زوجها، أو انهزامها في جدال مع مثقفٍ يُنادي به.

ويجدر التنبيه أنَّ احترام المرأة للتعدد هو تعبير عن عبوديتها لله، وليس خضوعًا للرجل، فهذا الرجل وإنْ كان يرى ظاهريًّا أنَّ التعدد في صالحه إلَّا أنَّه قد يكون بخلاف ذلك على الحقيقة، كون التعدد تكليفًا قبل كونه تشريفًا، ناهيكَ أنَّ تشريعه لم يكن بُغية زيادة الإمتاع، ولا أنه تفضيل محضٍ للجنس الذكوري عن الجنس الأنثوي، بقدر ما هو شريعة بالدرجة الأولى، وقد يكون الأجر فيها للمرأة أزيد منه عند الرجل نفسه، وكم من رجل عدَّد طمعًا في زيادة الأجر، فكان الأجر الذي نالته زوجته السابقة لـمَّا رضيتْ به، ولم تبخسه حقَّه أزيد منهُ، وهذا الذي يُعوَّل عليه، تحصيل الانتفاع وليس زيادة الإمتاع!

ومن جُملة الأخطاء التي ترتكبها المرأة في حقِّ زوجها الذي أراد التعدُّد، أو كان في نيَّته أنْ يُعدِّد، مساواة نفسها به، فتراها تمشي بمنطق «مثلما لا أرضَى أنْ أشاركَ غيركَ في، لا تُشارك غيري فيكَ»، وهكذا تتحوَّل شريعة الله التي مصدرها الوحي الإلهي المعصوم إلى مادة للنقاش مرجعها المنطق البشري المعرَّض للخطأ، ويزداد الخرق في الاتساع لـمَّا تغلب زوجها في هذا النقاش، فتعتقد في نفسها أنَّ انتصارها في النقاش عليه علامة على أحقية رأيها وبُطلان رأيه، غافلة على أنَّ التعدُّد شريعة إلهية محضة، لا يليق أنْ تُتناقَش فضلًا على أنْ يكون فيها منتصر ومهزوم!

ولا أحد يستطيع أنْ يُجزم أنَّ جميع النساء لديهنَّ هذا الوعي في موضوع التعدُّد، ذلك أنَّ النساء اليوم بين رافضات له رفضًا قطعيًّا، وأخريات لجأن إلى ما هو أسوأ لـمَّا رفضنه فرسمنَ واقعًا مخالفًا للقدر الذي كُتب عليهن، وأخريات رضيْنَ به لأنهن لا يملكنَ بديلًا. والذي يعنينا في هذا الموضوع ليس الانتصار للرجال دون النساء، فليس في شريعة الله منتصر ومهزوم، بقدر ما يعنينا أنْ نُصوِّبَ وجهة البوصلة إلى الحق، وأنْ تفهم المرأة أنَّ التعدد شريعة ربانية وليس شهوة إنسانية، وأنَّ الرضا به قد يخدم المرأة في الدنيا والدِّين أكثر ممَّا يخدم الرجل!

ولقد أثمرتْ هذه النقاط الخفيَّة التي تطرَّقتُ إليها إلى إقناع أكثر مِن زوجةٍ، وقد كنَّ مُغيَّبات عن حقيقة التعدد، وحسبي طربًا أنَّ البارحة تلقِّيتُ رسالة مِن صديقي جاء في سطورها زيادة عمَّا كتبته هنا: «شكرًا لك. هكذا أقنعتُ زوجتي بالتعدد»!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد