«هكذا كانت الوحدة».. الرواية الحاصلة علی «جائزة نادال» عام 1990، ترجمة ناريمان الشاملي، لخوان خوسيه مياس كاتب من أبرز الكُتاب الإسبان، بأسلوب بسيط وشاعري للغاية كتب هذا العمل.

وتبدأ افتتاحية الرواية بامرأة تنزع شعر قدميها في الحمام تأتيها مكالمة هاتفية بوفاة أمها التي وعلى ما يبدو قد فارقتها منذ وقت طويل، تبدأ الرواية من هنا، ومن ضمن عدة خيوط كثيرة نجد أننا نسير علی خط رواية خوان كراوي عليم لحياة إيلينا وصوت الأم من مذكراتها التي تجدها ابنتها إيلينا في شقتها عن طريق الصدفة فيما بعد.

– إيلينا

امرأة مِزاجية في عامها الثالث بعد الأربعين، تأتيها مكالمة هاتفية في افتتاحية الرواية تُخبرها بوفاة أمها، بعد ذلك ببطء شديد يتحدث خوان خوسيه كراوي عليم عن بطلة روايته، هكذا كانت الوحدة تبدأ ملامح المرأة في البروز، ونتعرف علی حالتها المتقلبة وتدخينها الشبه دائم للحشيش، وحالتها الصحية التي تسوء دائمًا مع حالتها النفسية طوال الرواية.

– الأم والأبناء الثلاثة

تبدأ الأم في الخوف حينما تبدأ الخلافات، تبدأ العلاقات عمومًا في الانهيار حينما نجبر علی الفراق والتأقلم علی الواقع الجديد.

خوان مرسدس وإيلينا لم يجمعهم أي حديث يذكر بعد وفاة أمهم، وكأن الأمر، وكما كانت إيلينا تظنه قبل حدوثه، مجرد أمر بيروقراطي عادي. بعد ذلك تجد إيلينا مذكرات أمها، لسبب ما غير معلوم هي من تجد تلك المذكرات ليس أحد إخوتها، بالرغم من أنهما – هي وأمها – لم يكونا علی وفاق، وكانت العلاقة بينهما شبه منتهية لسبب مجهول طوال الجزء الأول من الرواية.

الجزء الأول يحكي بعض التفاصيل من حياة إيلينا المرأة الحزينة متقلبة المزاج التي تدخن الحشيش صباحًا ومساءًا مع كؤوس الويسكي في العادة، بالتوازي مع قراءتها لمذكرات أمها التي كتبتها وهي في نفس عمر إيلينا.

إيلينا امرأة تلاحظ فجأة أنها في عمر الثالثة والأربعين، وأن زوجها إنريكي يخونها مع شابة تصغرها بـ20 عامًا علی الأقل، وتبدأ حياتها – رغمًا عنها – تتشكل في ذهنها وكأنها انعكاسًا لحياة أمها التي لم تكن تعرف عنها الكثير قبل وفاتها.

في الجزء الثاني من الرواية تتحدث إيلينا عن حياتها عن طريق كتابة المذكرات. وهنا نجدها تتحول لأمها المتوفية، امرأة علاقتها مع ابنتها شبه معدومة؛ لأن الأخيرة تری أمها امرأة باردة، وكما كانت تظن إيلينا أمها كذلك، فلم يجرحها ذلك الأمر أكثر من اللازم.

كل شيء في الرواية هادئ وبسيط، الأفعال وردود الأفعال هادئة للغاية، مياس كتب عمل اجتماعي واقعي بنظرة عن كثب لحياة ثلاث نساء، اثنتين منهن مارسوا الكتابة للحكي، وهن إيلينا وأمها، والثالثة مرسدس التي لا تحب إيلينا، ولكنها كانت تحب أمها بشدة.

الوحدة كانت هي: أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجيء من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه. سمحوا لك بإحضار شيئين فقط – في حالتي المقعد والساعة – يجب أن تحملهما علی عاتقك، كلعنة ما حتی تجد مكانًا تصلح فيه حياتك انطلاقًا من تلك الأشياء، والذاكرة المشوشة عن العالم الذي أتيت منه.

الوحدة هي عملية بتر ما غير مرئية، ولكنها فعالة جدًا كما لو كانوا ينزعون عنك البصر والسمع، هكذا هو الأمر، في معزل عن كل الحواس الخارجية، وعن كل نقاط الصلة، وفقط مع اللمس والذاكرة يتوجب عليك أن تعيد بناء العالم، العالم الذي يجب أن تسكنه والذي يسكنك.

في أحداث العمل، تبحث إيلينا عن نفسها قبل أن تضيع منها الحياة، مثلما ضاعت حياة أمها في الوحدة، بالرغم من أنها كانت تملك ثلاثة أبناء لم تجد من يشاركها في وحدتها أي واحد منهم.

الشاعرية في أسلوب خوان خوسيه جعلت العمل بسيط وسهل، غير متكلف، واضح ومباشر، يتحدث عن انعكاس حيواتنا مع أهلنا وصراع الأجيال، الذي بالتأكيد سنعاني منه نحن مع أبنائنا، وبالتأكيد ستأتي تلك اللحظة التي لا يجد فيها أبناؤنا تجاهنا أي مشاعر تذكر، كما شعرت إيلينا تجاه أمها، وكما شعرت ابنتها مرسدس تجاهها.

المشاعر في هذا العمل فنية غير موجهة، حيادية للغاية، وهذا ما سمح العمل الخروج بتلك الصورة المقبولة، الاجتماعية التي يسهل علی الجميع الشعور بها وإدراكها دون صعوبة.

مترجمة العمل ناريمان الشاملي ترجمت الإسبانية بحس إبداعي، حافظت علی رونق العمل وجعلته في صورته العربية في كامل هيئته، وجعلت من ترجمتها للرواية بوابة يعبر منها كل من يريد مطالعة أعمال مياس الشاعرية العظيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد